التصنيع الأخضر يمثل اليوم حجر الزاوية في إعادة صياغة الاقتصاد العالمي، وهذا ما تجلى بوضوح في المائدة المستديرة التي عقدتها الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا)؛ حيث لم يعد النقاش محصوراً في تأمين موارد الطاقة النظيفة فحسب، بل امتد ليشمل كيفية تحويل هذه الطاقة إلى محرك صناعي جبار يربط النمو الاقتصادي بالالتزام المناخي الصارم. وبقراءة المشهد الحالي، نجد أن فرانشيسكو لا كاميرا، المدير العام للوكالة، يتبنى رؤية تتجاوز التحولات التكنولوجية التقليدية، إذ يرى أن جوهر المعركة يكمن في مواءمة الاستراتيجيات الطموحة مع مشروعات قابلة للتنفيذ البنكي، والمثير للدهشة أن النجاح هنا يعتمد على ثالوث البنية التحتية، ورأس المال البشري، والتدفقات التمويلية الذكية التي تحول الأحلام المناخية إلى واقع ملموس على الأرض.
تحولات كبرى في خارطة القوى الصناعية
إن المفارقة هنا تكمن في أن الدول التي كانت تُصنف كأطراف في المعادلة الصناعية القديمة، باتت اليوم تطرح نفسها كقادة للمستقبل الأخضر؛ فمن زيمبابوي التي ترى في توطين التكنولوجيا مساراً تنموياً لا تراجع عنه، إلى ناميبيا التي تطمح لريادة قطاع الهيدروجين الأخضر عالمياً، يبدو أن قواعد اللعبة تتغير جذرياً. وهذا يفسر لنا لماذا شددت يوكاي سيمبانجافي على أن التحول العالمي لن يكتمل دون نهضة صناعية أفريقية شاملة؛ لأن المسألة تتعلق بخلق فرص عمل للشباب والنساء وإشراك الشركات الصغيرة في سلاسل القيمة العالمية، وهو ما يعزز مرونة الاقتصادات الناشئة في مواجهة التقلبات المناخية والجيوسياسية المتسارعة التي نعيشها حالياً.
| الدولة / الجهة |
الهدف الاستراتيجي المعلن |
الأثر الاقتصادي المتوقع |
| ناميبيا |
الريادة في الهيدروجين الأخضر |
خلق 30 ألف وظيفة بحلول 2030 |
| مالطا |
التعاون الدولي والابتكار |
استقرار الأسعار وجذب الاستثمار |
| زيمبابوي |
توطين تصنيع الطاقة المتجددة |
تمكين الشركات الصغيرة والشباب |
| آيرينا (IRENA) |
تحويل الطموح إلى مشروعات |
بناء سلاسل قيمة شاملة ومستدامة |
آليات التمويل وتذليل عقبات الاستثمار
بناء سلاسل القيمة الصناعية الخضراء يتطلب بالضرورة سياسات مالية مبتكرة توازن بين طموحات الحكومات وتطلعات المستثمرين، وهو التحدي الذي طرحته ميريام دالي وزيرة الطاقة في مالطا؛ حيث تسعى الدول الجزرية لدمج جهود القطاعات الأكاديمية والخاصة لضمان استقرار الأسعار مع تحقيق عوائد مجزية. والمثير للدهشة أن تأمين اتفاقيات شراء طويلة الأجل يظل العقبة الأبرز أمام المشروعات الكبرى، مما دفع دولاً مثل ناميبيا لتبني نماذج التمويل المختلط لتقليل المخاطر وجذب رؤوس الأموال الخاصة نحو قطاعات الطاقة المستدامة الناشئة.
- استخدام آليات التمويل الميسر لتقليل مخاطر المشروعات الأولية.
- تطوير منصات لربط المستثمرين بالمشروعات الجاهزة للتنفيذ.
- تعزيز الاستثمار في برامج إعادة تأهيل الكوادر البشرية للوظائف الخضراء.
- تفعيل الشراكات بين الأوساط البحثية ومبتكري القطاع الخاص.
- خلق سياسات تشجيعية لتوطين المكونات الصناعية محلياً.
ما وراء الخبر يشير بوضوح إلى أن التصنيع الأخضر لم يعد خياراً أخلاقياً، بل هو ضرورة اقتصادية للبقاء في سوق يتجه نحو تصفير الانبعاثات؛ فالمنافسة القادمة لن تكون على وفرة الموارد الطبيعية فحسب، بل على القدرة على تحويل تلك الموارد إلى منتجات نهائية بآثار كربونية معدومة. فهل تنجح القوى الصاعدة في انتزاع حصتها من الكعكة الصناعية الجديدة قبل أن تكتمل ملامح النظام الاقتصادي الأخضر؟