الطاقة الحرارية الأرضية تمثل اليوم الرهان الأكثر ذكاءً في سباق تأمين إمدادات الطاقة المستدامة؛ فهي ليست مجرد بديل بيئي بل هي العمود الفقري الذي يمنح الشبكات الكهربائية ثباتاً لا توفره الرياح أو الشمس. وبقراءة المشهد الحالي نجد أن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) قد وضعت يدها على الجرح خلال مائدتها المستديرة الأخيرة؛ حيث كشفت أن هذا المورد الهائل لا يزال حبيس استثمارات خجولة لم تتخطَّ حاجز 9 مليارات دولار عالمياً. والمثير للدهشة هنا هو التباين الصارخ بين هذا الرقم وبين التريليونات التي تدفقت نحو قطاعات طاقة أخرى؛ مما يطرح تساؤلات جوهرية حول العوائق التي منعت استغلال حرارة باطن الأرض طيلة العقود الماضية رغم توفر التقنية اللازمة لذلك.
تحولات كبرى في سوق الطاقة الحرارية الأرضية
ما وراء الخبر يخبرنا بأن السردية العالمية تجاه الطاقة الحرارية الأرضية قد انقلبت رأساً على عقب خلال العام الأخير فقط؛ حيث دخل عمالقة التكنولوجيا على الخط بحثاً عن كهرباء مستقرة لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي لا تنام. وهذا يفسر لنا لماذا بدأت الشركات الكبرى في توقيع اتفاقيات شراء طاقة طويلة الأمد تعتمد كلياً على الحرارة الجوفية؛ فالأمر لم يعد يتعلق بالرفاهية المناخية بل بضرورة تشغيلية حتمية لضمان استمرارية الأعمال. والمفارقة هنا تكمن في أن قطاع النفط والغاز الذي كان يُنظر إليه كعدو للبيئة؛ بات اليوم الشريك المثالي لتطوير هذه المشروعات بفضل امتلاكه لبيانات جيولوجية دقيقة وتقنيات حفر متطورة يمكن تحويلها لخدمة الطاقة النظيفة.
| محور التطوير |
الأهداف الاستراتيجية لعام 2026 |
التحديات الراهنة |
| الاستثمارات المالية |
رفع سقف التمويل العالمي وتجاوز حاجز الـ 9 مليارات |
ارتفاع التكاليف الرأسمالية الأولية للمشروعات |
| التشريعات والسياسات |
تبسيط إجراءات التراخيص وتسهيل نفاذ الشركات |
البيروقراطية وطول أمد الدراسات الجيولوجية |
| التكامل التكنولوجي |
دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الأرضية |
الحاجة لمهارات فنية متخصصة في الحفر العميق |
أولويات التحالف العالمي لتسريع الاستثمار
يرى الخبراء أن تحويل الطاقة الحرارية الأرضية إلى واقع ملموس يتطلب استراتيجية ثلاثية الأبعاد تتجاوز مجرد الوعود السياسية إلى التنفيذ التقني والميداني الجريء. ويمكن تلخيص المسارات التي حددها مدير عام (آيرينا) والشركاء الدوليون في النقاط التالية لضمان تدفق الاستثمارات:
- إزالة المعوقات التنظيمية وتسريع وتيرة منح التراخيص لتقليص الزمن الفاصل بين الاستكشاف والتشغيل.
- دعم المشروعات التجريبية في مراحلها الأولى لتقليل المخاطر المالية التي يخشاها المستثمرون في القطاع الخاص.
- تطوير أطر تنظيمية وتمويلية تمنح قيمة مضافة للكهرباء النظيفة المستقرة مقارنة بالمصادر المتقطعة الأخرى.
- الاستفادة من البنية التحتية والكوادر البشرية في قطاع الوقود الأحفوري لضمان انتقال عادل وشامل للعمالة.
إن الاعتماد على الطاقة الحرارية الأرضية لتوليد الكهرباء وتدفئة المدن لم يعد خياراً ثانوياً في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تهدد سلاسل إمداد الوقود التقليدي. ومع دخول الذكاء الاصطناعي كلاعب أساسي في تحليل الخرائط الجيولوجية؛ يبدو أننا نقترب من لحظة الانفجار الكبير لهذا القطاع الذي ظل دافئاً تحت الأرض لقرن من الزمان. فهل ستنجح الدول في تحويل حرارة باطنها إلى أمن قومي يقيها تقلبات أسواق الطاقة العالمية؟