بدر عبد العاطي في جدة اليوم، حيث ترسم الدبلوماسية المصرية ملامح تحرك جديد يتجاوز حدود البروتوكول التقليدي للمشاركة في الدورة الاستثنائية لمجلس وزراء منظمة التعاون الإسلامي؛ والمثير للدهشة أن هذا التحرك يأتي في توقيت شديد الحساسية تشهد فيه منطقة الصومال تطورات متسارعة تفرض على القاهرة الحضور كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن القومي العربي والأفريقي، وبقراءة المشهد نجد أن هذه الزيارة لا تستهدف الصومال فحسب بل تمتد لتشمل سلسلة لقاءات ثنائية مكثفة يعقدها الوزير المصري على هامش الاجتماع لتنسيق المواقف تجاه الأزمات المشتعلة من غزة إلى دمشق وصولاً إلى طهران، وهذا يفسر لنا لماذا تصر مصر على التواجد في كافة المحافل التي تمس استقرار الإقليم؛ والمفارقة هنا تكمن في قدرة الدبلوماسية المصرية على إدارة ملفات متناقضة جغرافياً وسياسياً في آن واحد وبنفس درجة الكفاءة والهدوء.
ما وراء تحركات القاهرة في العمق الأفريقي
إن التركيز المصري على تعميق الروابط مع دول مثل مالي والصومال يعكس استراتيجية "الدوائر المتداخلة" التي تتبناها الدولة حالياً؛ حيث لم تعد العلاقات مجرد تعاون أمني لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل بل تحولت إلى شراكة اقتصادية شاملة تستهدف البنية التحتية والطاقة، وهذا يفسر لنا الرغبة المالية الواضحة في استنساخ التجربة المصرية في الإنشاءات وصناعة الدواء والتصنيع الزراعي لاسيما مع وجود شركات مصرية تمتلك خبرات ميدانية واسعة في القارة السمراء، وبقراءة المشهد بعمق ندرك أن مصر تسعى لخلق حزام من المصالح المشتركة يحمي حدودها الجنوبية والشرقية عبر التنمية المستدامة والوجود الاقتصادي الفاعل؛ والمثير للدهشة أن هذا التوجه يتزامن مع تحركات دولية كبرى تجعل من أفريقيا ساحة للتنافس العالمي مما يفرض على القاهرة تسريع وتيرة التعاون التقني والاستثماري لضمان ريادتها التاريخية.
| قطاع التعاون المستهدف |
الأولوية الاستراتيجية |
القيمة المضافة للشراكة |
| البنية التحتية والإنشاءات |
قصوى |
نقل الخبرات المصرية في التشييد لمالي |
| الطاقة المتجددة والكهرباء |
مرتفعة |
تحقيق الاكتفاء الطاقي ودعم التنمية |
| صناعة الدواء والأغذية |
متوسطة - بعيدة |
توطين الصناعات الحيوية في منطقة الساحل |
| مكافحة الإرهاب والأمن |
سيادية |
تبادل المعلومات الاستخباراتية وتأمين الحدود |
أجندة الدبلوماسية المصرية في قمة جدة
- إلقاء بيان مصر الرسمي الذي يحدد ثوابت الموقف من وحدة الأراضي الصومالية.
- التنسيق مع الجانب السعودي حول آخر مستجدات الأزمة السورية وسبل الحل السياسي.
- دفع مسار المرحلة الثانية من اتفاق غزة عبر مشاورات مكثفة مع الأطراف الإقليمية.
- بحث سبل مواجهة مخططات نشر الفوضى والتشكيك في مؤسسات الدولة الوطنية.
- تفعيل مذكرات التفاهم الاقتصادية مع دول غرب أفريقيا لتعزيز الصادرات المصرية.
إن الحراك الذي يقوده الدكتور بدر عبد العاطي يعبر عن مرحلة جديدة من "الدبلوماسية الخشنة" المدعومة بقوة اقتصادية وشركات وطنية قادرة على التنفيذ خارج الحدود؛ فالمسألة لم تعد مجرد بيانات تنديد أو تضامن بل أصبحت تتعلق ببناء جسور لوجستية ومصانع دواء ومحطات كهرباء تربط القاهرة بعمقها الاستراتيجي، والمفارقة هنا أن هذا التمدد المصري يأتي في وقت تنكفئ فيه قوى إقليمية أخرى على أزماتها الداخلية؛ مما يفتح الباب أمام تساؤل جوهري حول قدرة هذه الشراكات الاقتصادية على تحييد التهديدات الأمنية المزمنة في منطقة الساحل والقرن الأفريقي بشكل نهائي.
يبقى السؤال المعلق في أروقة الاجتماعات بجدة حول مدى قدرة منظمة التعاون الإسلامي على ترجمة هذه التحركات إلى واقع ملموس يحمي الصومال من التفكك؛ فهل تنجح القاهرة في صياغة معادلة توازن بين الدور الأمني والدور التنموي لضمان استقرار الإقليم الذي بات يقف على فوهة بركان من المتغيرات الدولية المتلاحقة؟