تطوير المنظومة الصحية في مصر لم يعد مجرد خطط ورقية بل تحول إلى واقع ملموس يمس حياة الملايين؛ حيث يقود الدكتور خالد عبدالغفار تحركات مكثفة لضبط إيقاع تكليف المهن الطبية لدفعة 2023 بما يضمن سد الفجوات في المحافظات الأكثر احتياجاً. وبقراءة المشهد الحالي، نجد أن الدولة تخلت عن العشوائية في توزيع الكوادر البشرية، متبنية استراتيجية "الاحتياج الفعلي" التي توازن بين أعداد خريجي الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي وبين خريطة المنشآت الطبية التي تعاني نقصاً عددياً. والمثير للدهشة أن هذا التوجه يتزامن مع ضخ استثمارات ضخمة تجاوزت تريليون جنيه منذ عام 2014، مما يضعنا أمام مرحلة إعادة هيكلة شاملة للقطاع الصحي تتجاوز فكرة التوظيف الإداري إلى بناء كفاءات حقيقية قادرة على تشغيل المشروعات القومية الكبرى، وعلى رأسها تطوير معهد ناصر الذي يمثل الأضخم في تاريخ الوزارة.
معايير التوزيع العادل لدفعة 2023
بناء قدرات بشرية مؤهلة يتطلب شفافية مطلقة في توزيع الخريجين، وهذا يفسر لنا إصرار وزارة الصحة على مطابقة أعداد الخريجين بالاحتياجات الفعلية لكل محافظة على حدة؛ لضمان عدم تكدس التخصصات في المدن الكبرى على حساب القرى والنجوع. والمفارقة هنا تكمن في أن ملف تكليف المهن الطبية لم يعد مجرد إجراء روتيني، بل أصبح أداة استراتيجية لتعزيز جودة الخدمات الصحية، خاصة مع توجيهات نائب رئيس الوزراء بوضع آليات محددة لصقل مهارات الكوادر الجديدة سواء من شملهم التكليف أو غيرهم. إن الاعتماد على معايير دقيقة تسمح بالتقييم المستمر يضمن للمنظومة مرونة عالية في مواجهة التحديات المستقبلية، وهو ما ظهر جلياً في الاجتماع الأخير الذي ضم قيادات الموارد البشرية وتنمية المهن الطبية لرسم خارطة طريق واضحة المعالم تنهي أزمات التوزيع الجغرافي المزمنة.
أرقام تعكس طفرة القطاع الصحي
| بند الاستثمار أو الخدمة |
القيمة أو العدد الإجمالي |
| حجم الاستثمارات الصحية منذ 2014 |
تريليون جنيه مصري |
| عدد المشروعات الصحية المنفذة |
1230 مشروعاً قومياً |
| قرارات العلاج على نفقة الدولة |
45 ألف قرار حديث |
| المشروع الأضخم حالياً |
تطوير معهد ناصر الطبي |
تحليل هذه البيانات يوضح أن الدولة تتحرك في مسارين متوازيين؛ الأول هو البنية التحتية والمباني، والثاني هو الاستثمار في العنصر البشري الذي يمثل العمود الفقري لأي نجاح طبي. والملاحظ أن المتابعة الرئاسية الدقيقة لمشروع تطوير معهد ناصر تعطي زخماً كبيراً لوزارة الصحة، حيث يتم التعامل مع هذا المرفق كقلعة طبية متكاملة ستغير وجه الخدمة في العاصمة، وهذا يتطلب جيشاً من الأطباء والصيادلة المؤهلين تأهيلاً نوعياً يواكب التجهيزات العالمية التي يتم توفيرها حالياً.
أهداف استراتيجية التكليف الجديدة
- تحقيق العدالة الجغرافية والتخصصية في توزيع كافة الخريجين على مستوى الجمهورية.
- سد العجز في التخصصات الطبية الحرجة داخل المنشآت الصحية بالمحافظات النائية.
- توفير كافة الموارد اللازمة لبناء قدرات بشرية مؤهلة وعالية الجودة فنياً.
- ضمان الشفافية الكاملة في اختيار وتوزيع الكوادر بناءً على تقارير الاحتياج الميداني.
- الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطن من خلال موازنة أعداد الفرق الطبية.
إن هذا الحراك المكثف داخل أروقة وزارة الصحة يعكس رغبة حقيقية في إنهاء حقبة "التكليف العشوائي" والانتقال إلى مرحلة الحوكمة الرقمية، حيث يتم الربط بين مخرجات التعليم الطبي واحتياجات سوق العمل الصحي الفعلي. ومع استمرار تنفيذ أكثر من 1200 مشروع صحي، يصبح السؤال المطروح: هل ستتمكن هذه الدماء الجديدة من استيعاب حجم التطور التقني الهائل في المشروعات القومية الكبرى؟ الأيام المقبلة ستكشف مدى قدرة آليات التدريب الجديدة على سد الفجوة بين التعليم الأكاديمي والواقع العملي في مستشفيات الجمهورية الجديدة.