البنك المركزي المصري يطلق اليوم حزمة جديدة من أدوات الدين العام بقيمة تصل إلى 26 مليار جنيه، في خطوة تعكس تسارع وتيرة الاعتماد على الاستثمارات المالية غير المباشرة لسد الفجوات التمويلية العاجلة؛ والمثير للدهشة أن هذا التحرك يأتي بالتزامن مع مؤشرات إيجابية تتعلق بتراجع معدلات التضخم السنوية بنسبة 11.8%، مما يضع صانع السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة توازن بين تكلفة الاقتراض الحكومي وبين رغبة المستثمرين الأجانب والمحليين في اقتناص عوائد مرتفعة قبل أي خفض محتمل للفائدة.
أدوات التمويل وتفاصيل طرح السندات
وبقراءة المشهد المالي الحالي، نجد أن البنك المركزي المصري قسم هذا الطرح الضخم إلى مسارين رئيسيين يستهدفان تنويع محفظة الديون الحكومية وإطالة أمد الاستحقاق؛ حيث تركز وزارة المالية على جذب السيولة عبر سندات ثابتة العائد بقيمة 14 مليار جنيه، موزعة بين استحقاقات عامين وثلاثة أعوام، بينما يخصص المسار الثاني لسندات العائد المتغير لأجل خمس سنوات بقيمة 12 مليار جنيه، وهذا يفسر لنا الرغبة في التحوط ضد تقلبات أسعار الفائدة العالمية والمحلية في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي التي تسيطر على الأسواق الناشئة حالياً.
- سندات لأجل عامين تستحق في يناير 2028 بقيمة 10 مليارات جنيه وبكوبون فائدة 22.422%.
- سندات لأجل ثلاثة أعوام تستحق في يناير 2029 بقيمة 12 مليار جنيه وبكوبون فائدة 21.182%.
- سندات خزانة ذات عائد متغير لأجل خمس سنوات تستحق في يناير 2031 بقيمة 4 مليارات جنيه.
- عطاءات أذون خزانة قصيرة الأجل بقيمة 105 مليارات جنيه جرى قبولها بالفعل مطلع الأسبوع.
ما وراء الخبر وتحليل الفجوة التمويلية
المفارقة هنا تكمن في حجم الطلب الهائل الذي رصده البنك المركزي المصري مؤخراً، حيث سجلت طلبات الاستثمار في أذون الخزانة نحو 7.1 مليار دولار، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في قدرة الاقتصاد المصري على الوفاء بالتزاماته؛ والجدول التالي يوضح توزيع السيولة المطلوبة وفقاً لآجال الاستحقاق المعلنة في الطرح الأخير:
| نوع الأداة المالية |
مدة الاستحقاق |
القيمة التقديرية (مليار جنيه) |
| سندات عائد ثابت |
عامين |
10 |
| سندات عائد ثابت |
3 أعوام |
12 |
| سندات عائد متغير |
5 أعوام |
4 |
إن لجوء الحكومة إلى هذا النوع من الاستثمارات غير المباشرة ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو استراتيجية تهدف إلى توفير التعهدات المالية الضخمة دون الضغط على الاحتياطيات النقدية المباشرة؛ ومع قبول استثمارات سابقة تجاوزت 196 مليار جنيه، يبدو أن السوق المصري لا يزال يمثل وجهة مغرية لـ "الأموال الساخنة" والمؤسسات المالية التي تبحث عن ملاذات آمنة بعوائد تنافسية؛ خاصة وأن وزارة المالية تنتظر طرحاً إضافياً الخميس المقبل بقيمة 105 مليارات جنيه لاستكمال خطتها التمويلية الأسبوعية.
يبقى التساؤل الجوهري حول مدى استدامة هذا النمط من الاقتراض في ظل تراجع التضخم؛ فهل سنشهد في الشهور المقبلة تحولاً نحو خفض العائد على هذه السندات بما يخفف عبء الدين العام، أم أن الحفاظ على جاذبية الجنيه المصري سيظل الأولوية القصوى للمصرف المركزي حتى لو كان الثمن فاتورة فوائد باهظة؟