المساعدات الإنسانية لقطاع غزة تمثل اليوم شريان الحياة الوحيد في ظل مشهد جيوسياسي معقد؛ حيث بدأت صباح الاثنين مئات الشاحنات ضمن القافلة رقم 114 عبور ميناء رفح البري باتجاه معبر كرم أبوسالم. والمثير للدهشة أن هذه القافلة، التي تحمل شعار "زاد العزة"، تأتي في توقيت حرج للغاية تزامناً مع منخفض جوي قارس يضرب المنطقة، مما يجعل وصول المواد الإيوائية والوقود ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل. وبقراءة المشهد ميدانياً، نجد أن التنسيق المصري عبر الهلال الأحمر لم يتوقف منذ اندلاع الأزمة في أكتوبر 2023؛ إذ يعمل نحو 35 ألف متطوع كخلية نحل لضمان تدفق الإمدادات الطبية والغذائية رغم العراقيل اللوجستية والأمنية التي تفرضها المتغيرات على الأرض.
تحديات المسار الإغاثي وتعقيدات الميدان
المفارقة هنا تكمن في أن استئناف دخول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة يأتي بعد سلسلة من الانتكاسات العسكرية والدبلوماسية؛ فبعد انهيار المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في مارس 2025، شهد القطاع تصعيداً عنيفاً أدى إلى إغلاق المنافذ تماماً ومنع دخول أبسط مقومات البقاء. وهذا يفسر لنا لماذا تصر القاهرة على إبقاء ميناء رفح البري في حالة تأهب قصوى، كونه المنفذ الاستراتيجي الذي لم يغلق أبوابه تاريخياً أمام الحالات الإنسانية. إن إصرار سلطات الاحتلال في فترات سابقة على إدخال المساعدات عبر شركات أمنية خاصة، بعيداً عن مظلة "الأونروا"، كان يهدف لتغيير قواعد اللعبة الدولية، إلا أن صمود الآلية المصرية أعاد توجيه البوصلة نحو المسارات الرسمية المستقرة.
توزيع الحمولات في القافلة الـ 114
| نوع المساعدات |
الأهمية الاستراتيجية |
| المستلزمات الطبية والأدوية |
دعم المستشفيات المنهكة في مواجهة الإصابات المزمنة. |
| السلال الغذائية المتكاملة |
تأمين الحد الأدنى من الأمن الغذائي لآلاف الأسر النازحة. |
| المواد البترولية والوقود |
تشغيل المولدات الكهربائية وتدفئة مراكز الإيواء المؤقتة. |
| المواد الإيوائية والخيام |
مواجهة تداعيات المنخفض الجوي وحماية المشردين من البرد. |
ما وراء الخبر ودور الوساطة الإقليمية
تحليل المساعدات الإنسانية لقطاع غزة لا يمكن فصله عن المسار السياسي الذي نضج فجر التاسع من أكتوبر 2025؛ حين أثمرت جهود الوسطاء في مصر وقطر والولايات المتحدة، بدعم تركي، عن اتفاق يستند إلى رؤية "شرم الشيخ". إن تدفق الشاحنات الآن هو الثمرة الملموسة لهذا التوافق الذي يهدف لتثبيت المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. والملاحظ أن إدخال المعدات الثقيلة لإزالة الركام لا يزال يواجه ممانعة، مما يعني أن عملية إعادة الإعمار الشاملة لا تزال رهينة التوازنات القادمة. وتتضمن بنود الاتفاق الحالي نقاطاً جوهرية لضمان استدامة الإغاثة:
- تأمين ممرات آمنة ودائمة لمرور قوافل المساعدات الإنسانية لقطاع غزة دون انقطاع.
- إدخال كميات مضاعفة من الوقود لتشغيل محطات تحلية المياه والمرافق الصحية الحيوية.
- تسهيل خروج الجرحى والمصابين الذين يحتاجون لتدخلات جراحية دقيقة خارج القطاع.
- توفير الضمانات اللازمة لعمل الطواقم الدولية والإغاثية في مناطق التوغل السابقة.
تظل المساعدات الإنسانية لقطاع غزة هي الاختبار الحقيقي لمدى التزام الأطراف بخطة السلام المطروحة حالياً؛ فهل ستنجح هذه القافلة في كسر جمود المعاناة الإنسانية بشكل دائم، أم أن المشهد سيبقى معلقاً بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تفاصيل في تنفيذ مراحل الاتفاق الشامل؟