تراخيص البناء تتصدر المشهد العقاري المصري حالياً؛ فبعد سنوات من الجمود الذي أصاب حركة التشيد نتيجة التعقيدات البيروقراطية، جاء قرار العودة للعمل بقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 ليقلب الموازين تماماً، ويمنح القبلة الأخيرة لآمال آلاف المواطنين الراغبين في تقنين أوضاعهم أو البدء في مشروعات عمرانية جديدة، والمثير للدهشة أن التحول لم يقتصر على تبسيط الأوراق فحسب؛ بل شمل تقليصاً زمنياً غير مسبوق ينهي حقبة الانتظار الطويل أمام المكاتب الحكومية.
عودة قانون البناء الموحد والمزايا الجديدة
بقراءة المشهد الحالي نجد أن إلغاء الاشتراطات البنائية التي فُرضت سابقاً يمثل تصحيحاً لمسار السوق العقاري؛ حيث أعلنت وزارة التنمية المحلية رسمياً العودة للقواعد القديمة الأكثر مرونة، وهذا يفسر لنا حالة الحماس التي دبت في المراكز التكنولوجية بالمحافظات، إذ لم يعد المواطن ملزماً بتقديم عقود مُشهرة أو اللجوء للجامعات، بل يكفي تقديم مستند إثبات الملكية لبدء إجراءات استخراج تراخيص البناء، والمفارقة هنا أن الدولة قررت تحمل عبء الرفع المساحي عبر جهاتها المختصة مقابل رسوم محددة؛ لتزيح عن كاهل الفرد عقبة البحث عن مكاتب استشارية خاصة كانت تستهلك وقتاً ومالاً، كما أن تقليص الخطوات من 15 إجراءً إلى 8 فقط يعكس رغبة حقيقية في تسريع عجلة الاقتصاد العمراني.
خطوات استخراج تراخيص البناء بالتفصيل
تتوزع رحلة الحصول على الرخصة بين مسارين زمنيين يعتمدان على طبيعة المنشأة؛ فالحالات البسيطة لا تتجاوز مدة فحصها 26 يوماً، بينما تصل إلى 40 يوماً في حال تطلبت وثيقة تأمين، وتتمثل الإجراءات المحدثة في النقاط التالية:
- تقديم طلب بيان صلاحية الموقع للمركز التكنولوجي مع صورة الهوية وكروكي توضيحي فقط.
- انتظار الرفع المساحي الذي يستغرق 15 يوماً، يليه صدور بيان الصلاحية خلال 5 أيام عمل.
- التعاقد مع مهندس نقابي معتمد لإعداد الرسومات الهندسية وتقديم ملف الترخيص كاملاً.
- مراجعة الملف من قبل الإدارة المختصة بالوحدة المحلية خلال فترة زمنية أقصاها 14 يوماً.
- سداد الرسوم المقررة بعد فحص اللجنة المختصة، واستلام الرخصة النهائية خلال 48 ساعة فقط.
جدول الارتفاعات وعدد الأدوار المسموح بها
| عرض الشارع |
الحد الأقصى للارتفاع |
عدد الأدوار المسموح بها |
| أقل من 6 أمتار |
10 أمتار |
أرضي + دورين |
| من 6 إلى 8 أمتار |
13 متراً |
أرضي + 3 أدوار |
| أكبر من 8 أمتار |
ضعف عرض الشارع |
حسب المخطط الاستراتيجي |
ما وراء تيسيرات تراخيص البناء الجديدة
هذا التوجه الحكومي المكثف نحو الرقمنة، والذي توج بإطلاق منصة إلكترونية لخدمات المدن الجديدة، يهدف إلى خلق قاعدة بيانات عمرانية دقيقة تمنع ظهور العشوائيات مستقبلاً، والمثير للدهشة أن السماح بالنشاط التجاري في الدورين الأرضي والأول بالشوارع الواسعة سيغير من هوية المناطق السكنية ويحولها إلى مراكز اقتصادية حيوية، وهذا يفسر لنا لماذا تم ربط ارتفاع المبنى بعرض الشارع بدقة متناهية؛ لضمان وصول الضوء والتهوية الكافية، فضلاً عن تسهيل حركة المرور في حال زيادة الكثافة السكانية، فهل تنجح هذه التسهيلات في القضاء نهائياً على ظاهرة البناء المخالف التي استنزفت موارد الدولة لعقود؟
يبقى السؤال المعلق في أذهان المطورين العقاريين حول مدى قدرة المراكز التكنولوجية على استيعاب ضغط الطلبات المتوقع خلال الأشهر القادمة، وهل ستظهر تحديات لوجستية جديدة تعيدنا إلى المربع الأول، أم أن التحول الرقمي سيكون هو الضمانة الحقيقية لاستدامة هذه التيسيرات في المستقبل القريب؟