أزمة البرلمان المصري الجديد تتصدر المشهد السياسي بعد تصريحات نارية للدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، الذي وضع يده على جرح عميق في بنية التجربة الديمقراطية الحالية؛ فالمسألة لم تعد مجرد إجراءات روتينية بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المنظومة على الصمود أمام انتقادات حادة تصف ما جرى بالفوضى التي لا يمكن تجاوزها، والمثير للدهشة أن هذا الهجوم يأتي من رجل دولة يدرك تماماً تعقيدات المشهد، مما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى القوانين المنظمة للعملية الانتخابية في الوقت الراهن وقدرتها على تمثيل إرادة الشارع بشكل نزيه وشفاف.
خلل القائمة المطلقة وتشويه الإرادة
وبقراءة المشهد بعمق، نجد أن أزمة البرلمان المصري تكمن في جوهرها داخل نظام القائمة المغلقة المطلقة الذي يراه بهاء الدين عائقاً أمام التعبير الحقيقي عن التعددية؛ فبينما يمنح الدستور رئيس الدولة الحق في تعيين 28 عضواً بنسبة 5%، فإن الواقع العملي أفرز برلماناً نصفه "معين فعلياً" بسبب طبيعة هذا النظام الانتخابي الذي يقصي المنافسين تماماً بمجرد حصول طرف واحد على الأغلبية البسيطة، وهذا يفسر لنا حالة الإحباط التي تسللت إلى الناخبين وأدت إلى انهيار ملموس في أعداد المشاركين ببعض الدوائر؛ إذ يشعر المواطن أن صوته لا يملك القدرة على تغيير المعادلة المرسومة سلفاً داخل الغرف المغلقة.
| محور الانتقاد |
الوضع الحالي وفق التصريحات |
المقترح الضمني للإصلاح |
| النظام الانتخابي |
قائمة مغلقة مطلقة تسيطر على المشهد |
التحول لنظام يضمن التمثيل النسبي |
| التمثيل البرلماني |
نصف البرلمان معين عملياً وسياقياً |
تفعيل الانتخاب الحر المباشر للأغلبية |
| المشاركة الشعبية |
انهيار حاد في أعداد الناخبين بالدوائر |
استعادة ثقة الشارع عبر قوانين سليمة |
| الشرعية الإجرائية |
أحكام قضائية وفوضى في التشكيل |
مراجعة شاملة لقرارات الهيئة الوطنية |
تداعيات الفوضى الإجرائية والوصم التاريخي
والمفارقة هنا أن أحكام المحكمة الإدارية العليا الأخيرة لم تكن مجرد قرارات قانونية، بل كانت بمثابة مرآة كشفت حجم الخلل في إدارة العملية الانتخابية التي سبقت أزمة البرلمان المصري الحالية؛ فالحديث عن فوضى التشكيل ليس مجرد رأي سياسي بل هو رصد لواقع شهد تضارباً في القرارات وتراجعاً في الثقة المؤسسية، وهو ما جعل بهاء الدين يصف هذا البرلمان بأنه قد يصبح "موصوماً" تاريخياً كواحد من أسوأ ما شهدته الحياة النيابية المصرية، ليس تقليلاً من شأن شخوصه ولكن اعتراضاً على المنهجية التي أفرزتهم في غياب المنافسة الحقيقية التي تمنح المؤسسة التشريعية هيبتها وقدرتها على الرقابة والتشريع.
- ضرورة الاعتراف بأن القوانين الانتخابية الحالية غير سليمة وتحتاج ثورة تشريعية.
- التوقف عن استخدام نظام القوائم المطلقة التي تقتل التنوع الحزبي داخل البرلمان.
- دراسة أسباب عزوف الناخبين كإشارة خطر تتطلب معالجة سياسية عاجلة لا أمنية.
- الاستفادة من أحكام القضاء الإداري لتصحيح المسار التشريعي قبل فوات الأوان.
إن مواجهة أزمة البرلمان المصري تتطلب شجاعة سياسية تقر بأن اللحظة الراهنة هي الفرصة الأخيرة للتصحيح بدلاً من الاستمرار في مسار يضعف المؤسسات؛ فهل تمتلك السلطة التشريعية القادمة القدرة على غسل هذا "الوصم" عبر أداء استثنائي، أم أن العيوب الهيكلية في التأسيس ستظل تلاحق كل قرار يصدر عن هذا المجلس في المستقبل؟