النصب والاحتيال في ثوب الدجل لم يعد مجرد جريمة عابرة، بل تحول إلى صناعة رقمية منظمة تستهدف العقول قبل الجيوب؛ وهذا ما كشفته الأجهزة الأمنية بدقة في ضربتها الأخيرة بمحافظة الإسكندرية. والمثير للدهشة هنا هو تحول "المشعوذ" من زوايا البيوت المظلمة إلى فضاءات "تيك توك" و"فيسبوك"، حيث نجحت الإدارة العامة لحماية الآداب في إسقاط شخص مقيم بالبحيرة اتخذ من قسم باب شرق مسرحاً لممارسة دجله بذريعة العلاج الروحاني. وبقراءة المشهد الأمني، نجد أن المتهم لم يكتفِ بسلب أموال الضحايا، بل تعمد توثيق جرائمه عبر مقاطع فيديو لرفع نسب المشاهدة؛ مما يعكس نرجسية إجرامية تهدف للربح السريع من خلال استغلال آلام البسطاء واحتياجاتهم النفسية في ظل ضغوط الحياة المتزايدة.
كواليس السقوط وفحص الأحراز التقنية
المفارقة هنا تكمن في أن التكنولوجيا التي استخدمها المتهم للإيقاع بضحاياه كانت هي ذاتها الخيط الذي قاد رجال الشرطة إليه؛ إذ أسفرت المداهمة عن ضبط ثلاثة هواتف محمولة تحمل أدلة دامغة على ممارساته. وبفحص هذه الأجهزة، تبين أنها مستودع لمحادثات ومقاطع فيديو توضح كيف كان يدير شبكة خداعه تحت ستار "البركة والعلاج"، بجانب ضبط أدوات الدجل التقليدية التي يستخدمها لإضفاء صبغة "الواقعية" على أكاذيبه. وهذا يفسر لنا لماذا تولي وزارة الداخلية اهتماماً فائقاً بملاحقة الجرائم الإلكترونية ذات الطابع الروحاني؛ كونها تتجاوز السرقة لتصل إلى تزييف الوعي العام وتدمير النسيج المجتمعي عبر نشر الخرافات.
| نوع الجريمة |
النصب والاحتيال (دجل وروحانيات) |
| محل الضبط |
دائرة قسم باب شرق - الإسكندرية |
| الأدوات المضبوطة |
3 هواتف ذكية + أدوات دجل وشعوذة |
| الهدف الرقمي |
زيادة المشاهدات وتحقيق أرباح مادية |
ما وراء الخبر ودلالات التحرك الأمني
إن نجاح الأمن في رصد هذا النشاط يعكس يقظة استباقية تتجاوز مجرد تلقي البلاغات إلى تتبع البصمة الرقمية للمجرمين، خاصة أن المتهم اعترف صراحة باستغلال "التريند" لجذب الضحايا. وتأتي هذه الواقعة في سياق حملة أوسع شملت ضبط عاطل بالشرقية اعتدى على مواطنين بسلاح أبيض، وقرارات قضائية حاسمة تجاه مؤسسات تعليمية مثل مدرسة سيذر الدولية؛ مما يرسم صورة متكاملة لفرض سيادة القانون. وبتحليل هذه الوقائع، يتضح أن النصب والاحتيال عبر "العلاجات الوهمية" بات يتطلب وعياً مجتمعياً موازياً للجهد الأمني، حيث لم تعد الجريمة تقتصر على الأدوات التقليدية بل أصبحت تعتمد على خوارزميات المنصات الاجتماعية للوصول إلى أكبر قدر من الضحايا المحتملين في وقت قياسي.
- استخدام منصات التواصل كواجهة دعائية لاستقطاب الباحثين عن علاج.
- تحويل ممارسات الدجل إلى "محتوى مرئي" لزيادة التفاعل الرقمي.
- الاعتماد على الهواتف الذكية في إدارة التحويلات المالية والتواصل مع الضحايا.
- استغلال الثغرات النفسية لدى المواطنين لإقناعهم بالقدرات الخارقة المزعومة.
يبقى السؤال المعلق في أذهان الكثيرين حول مدى قدرة التشريعات الحالية على ملاحقة "الدجل الرقمي" الذي يتطور أسرع من القوانين التقليدية؛ فهل تكفي الملاحقة الأمنية وحدها لتجفيف منابع الخرافة التي نمت وترعرعت في فضاء افتراضي لا يعترف بالحدود الجغرافية أو المنطق العلمي؟ إن المواجهة الحقيقية تبدأ من إعادة بناء الوعي الجمعي لمواجهة هذا النوع المتطور من النصب والاحتيال.