الشيخ خالد الجندي يكشف أسراراً لغوية مذهلة في البيان القرآني، حيث يسلط الضوء على تلك الشعرة الفاصلة بين النية المجردة والسلوك العابر في مفردات الوحي؛ فالمسألة ليست مجرد ترادف لغوي كما يظن البعض بل هي هندسة إلهية للكلمات تضع كل لفظ في موضعه التشريحي الدقيق ليعبر عن مكنونات النفس البشرية. وبقراءة المشهد الدعوي الحالي، نجد أن العودة إلى جذور الدلالة اللغوية تمثل طوق نجاة أمام التفسيرات السطحية التي قد تخل بقدسية النص وقوته التأثيرية في حياة المسلم المعاصر.
لماذا يفرق القرآن بين العمل والفعل؟
تكمن العبقرية اللغوية في القرآن الكريم في ربط الألفاظ بالدوافع النفسية، وهذا يفسر لنا لماذا اقترنت "الصالحات" دائماً بلفظ "عملوا" وليس "فعلوا" في مواضع الثناء الإلهي؛ فكلمة العمل في القاموس القرآني لا تطلق إلا على ما صدر عن قصد وتصميم قلبي مسبق، وكأنها نتاج إرادة واعية تتجه نحو الهدف بسبق إصرار. والمفارقة هنا تظهر بوضوح عند تأمل آيات العتاب، حيث يستخدم الوحي لفظ "تفعلون" للإشارة إلى التصرفات التي قد تقع من المؤمنين دون نية مبيتة للشر أو تأصيل منهجي للخطأ، مما يعكس رحمة الذات الإلهية في تصنيف زلات البشر. وبتحليل دقيق لهذا الفارق، ندرك أن "العمل" هو عبادة القلب قبل الجوارح، بينما "الفعل" قد يكون حركة آلية أو عابرة لا تعبر بالضرورة عن جوهر العقيدة الراسخ في الوجدان، وهو ما يجعل المؤمن دائماً في حالة مراقبة دائمة لنيته قبل حركته.
موسوعة الفروق اللغوية ومنهجية التفسير
يأتي الحديث عن "موسوعة الفروق اللغوية واللمحات البلاغية في الذكر الحكيم" كضرورة معرفية لفك شفرات الإعجاز البياني، خاصة مع وصول هذا الجهد العلمي إلى مجلده العاشر الذي يغطي سورة المائدة تحت إشراف نخبة من علماء الأزهر ودار العلوم. والمثير للدهشة أن هذه الموسوعة لا تكتفي بالسرد التقليدي، بل تغوص في أدق التفاصيل التي تفرق بين مرادفات تبدو متطابقة للعين غير الفاحصة، مما يفتح آفاقاً جديدة للتدبر القائم على العلم لا العاطفة.
- توضيح الفارق الجوهري بين الجلوس والقعود في السياق القرآني.
- تحليل أسباب تقديم بعض الألفاظ وتأخير أخرى في الآية الواحدة.
- رصد الملامح الدلالية التي تميز كل مفردة بناءً على سياق السورة.
- إبراز دور النية في تحويل الفعل العادي إلى عمل صالح مأجور.
- تقديم مادة علمية رصينة تناسب الباحثين وعموم القراء الراغبين في الفهم.
| المصطلح القرآني |
الدلالة النفسية واللغوية |
مثال من الذكر الحكيم |
| العمل |
فعل ناتج عن نية وقصد وتصميم قلبي |
{وعملوا الصالحات} |
| الفعل |
حركة أو تصرف قد يقع بلا نية مبيتة |
{لم تقولون ما لا تفعلون} |
إن الاستثمار في الكتاب والمطالعة يظل الثروة الحقيقية التي لا تنضب، وفي ظل تسارع وتيرة الحياة الرقمية، يبدو أن استعادة شغف القراءة هو التحدي الأكبر لجيل يحتاج إلى ربط لغته بهويته. فهل ندرك حقاً أن استعادة الريادة الحضارية تبدأ من فهم دلالات الكلمات التي شكلت وعي الأمة لقرون طويلة، أم سنكتفي بالقشور اللغوية في زمن يقدس السرعة على حساب العمق؟