انسحاب فرنسا من الناتو بات اليوم يتصدر عناوين الأخبار والتحليلات السياسية في باريس؛ فما كان يُعتبر بالأمس مجرد تلويح سياسي خجول تحول فجأة إلى خيار استراتيجي جاد يُناقش خلف الأبواب المغلقة وفي أروقة الجمعية الوطنية. وبقراءة المشهد الحالي نجد أن التصريحات الصادرة عن مسؤولين فرنسيين رفيعي المستوى لم تأتِ من فراغ؛ بل هي انعكاس مباشر لحالة من التوجس تجاه السياسات الأمريكية المتقلبة وتصريحات دونالد ترامب التي وضعت تماسك الحلف على المحك. والمثير للدهشة أن نائب رئيس البرلمان الفرنسي أكد بوضوح أن هذا الملف خرج من دائرة النظريات ليصبح مشروعاً قد يخضع للتصويت الفعلي في حال نضوج الظروف السياسية المواتية؛ ما يضع العلاقة التاريخية بين باريس والحلف الأطلسي أمام اختبار حقيقي لم تشهده منذ عقود طويلة. وهذا يفسر لنا لماذا تشهد الأوساط السياسية الفرنسية حالة من الاستنفار لإعادة تقييم الجدوى من البقاء تحت مظلة أمنية باتت واشنطن تشكك في فاعليتها علناً.
لماذا تلوح باريس بورقة الخروج من الحلف؟
إن البحث في جذور هذا التحول يكشف عن رغبة فرنسية دفينة في استعادة "السيادة الاستراتيجية" بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التي بدأت تتقلص التزاماتها الدفاعية تجاه القارة العجوز. والمفارقة هنا تكمن في أن فرنسا لطالما كانت الصوت الأكثر صخباً في المطالبة ببناء جيش أوروبي موحد وتقليل الاعتماد على الدعم العسكري القادم من وراء المحيطات؛ خاصة مع تزايد الضغوط الأمريكية بشأن تقاسم الأعباء المالية. ويرى المحللون أن انسحاب فرنسا من الناتو قد يكون شرارة البداية لتفكك العقد الأمني الذي ربط أوروبا بالولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ لا سيما وأن باريس تشعر بأن خطاب ترامب يمس جوهر التضامن الدفاعي المشترك. وتستند وجهة النظر الفرنسية إلى ضرورة وجود بديل أوروبي قوي قادر على مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة دون انتظار الضوء الأخضر من البيت الأبيض الذي قد تتغير بوصلته مع كل دورة انتخابية.
| المعيار |
الوضع الحالي داخل الناتو |
الرؤية الفرنسية المقترحة |
| القيادة العسكرية |
تبعية واضحة للقرار الأمريكي |
استقلالية قرار الدفاع الأوروبي |
| النفقات الدفاعية |
ضغوط لزيادة المساهمات المالية |
توجيه الميزانيات لصناعات عسكرية محلية |
| المظلة الأمنية |
ارتباط وثيق بالضمانات الأمريكية |
اعتماد على القوة النووية الفرنسية |
تداعيات محتملة على الخارطة الأمنية الدولية
بينما يرى المؤيدون أن خطوة انسحاب فرنسا من الناتو هي استعادة للقرار السيادي المسلوب؛ يحذر المعارضون من زلزال جيوسياسي قد يضعف مكانة فرنسا العسكرية ويترك أوروبا مكشوفة أمام تهديدات خارجية متصاعدة. والواقع أن مجرد طرح فكرة التصويت على الانسحاب يبعث برسالة حازمة إلى واشنطن مفادها أن الولاء المطلق ليس قدراً محتوماً؛ وأن باريس مستعدة للمجازفة بالخروج من المنظومة التقليدية إذا استمر تهميش مصالحها الحيوية. ويخشى خبراء الأمن من أن يؤدي هذا التوجه إلى اختلالات أمنية كبرى في مرحلة دولية تتسم بالسيولة وعدم الاستقرار؛ حيث يظل الحلف ركيزة أساسية للتوازن الدولي رغم كل ما يعتريه من خلافات داخلية عميقة.
- تصاعد الخلافات حول تقاسم التكاليف العسكرية بين الحلفاء.
- الشكوك الفرنسية في جدوى المظلة الأمنية الأمريكية مستقبلاً.
- السعي الفرنسي الدؤوب لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
- تأثير تصريحات ترامب على الثقة المتبادلة داخل أروقة الحلف.
- مخاوف من فقدان فرنسا لدورها القيادي في المنظومة الغربية.
إن مسألة انسحاب فرنسا من الناتو لم تعد مجرد مناورة سياسية لانتزاع مكاسب من واشنطن؛ بل تحولت إلى تعبير صارخ عن تحول عميق في المزاج السياسي الأوروبي تجاه التحالفات القديمة. ويبقى التساؤل الملح قائماً: هل تمتلك باريس الجرأة الكافية لتمزيق الميثاق الأطلسي والقفز نحو المجهول؛ أم أن هذا الحراك سيبقى مجرد ورقة ضغط لإعادة صياغة شروط العلاقة مع الولايات المتحدة في عصر ما بعد التبعية؟