الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران تتحول الآن إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز مجرد المطالب المعيشية لتصطدم مباشرة بصلابة الأجهزة الأمنية والعسكرية التي استنفرت قواها بالكامل؛ والمثير للدهشة أن قطع شريان الإنترنت لم يمنع تدفق الغضب إلى شوارع العاصمة والمحافظات لليوم الثاني على التوالي. وبقراءة المشهد الميداني نجد أن رقعة الاضطرابات اتسعت لتشمل مراكز ثقل اقتصادية وتاريخية مثل مشهد وأصفهان وكرج، حيث لم تعد الشعارات تكتفي بنقد التضخم الذي يطحن 90 مليون مواطن، بل قفزت لتطالب بتغيير جذري في هيكل السلطة. وهذا يفسر لنا حالة الاستنفار القصوى التي أعلنها الحرس الثوري والجيش، معتبرين أن أمن البنية التحتية والمصالح الوطنية خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف، بينما تصر القيادة السياسية على أن ما يحدث ليس إلا "نموذجاً فنزويلياً" فاشلاً حاولت واشنطن استنساخه لتركيع طهران عبر وكلاء ومحرضين في الداخل والخارج.
تكتيكات الحرس الثوري وتصاعد القمع الميداني
المفارقة هنا تكمن في محاولة النظام الموازنة بين القبضة الحديدية وبين تفادي الانفجار الشعبي الشامل؛ فقد رصد شهود عيان انتشاراً أمنياً مدروساً يهدف لعدم استفزاز الحشود في بداياتها، لكن سرعان ما تبدل المشهد مع صدور بيانات القوات المسلحة التي ربطت بين الحراك وبين أصابع إسرائيلية تحاول الثأر من تداعيات حرب يونيو الماضية. إن اتهام "العدو" بتحويل الاحتجاجات المشروعة إلى "فوضى مسلحة" يمنح الأجهزة الأمنية الضوء الأخضر قانونياً لممارسة سياسة الردع القصوى، وهو ما تجلى فعلياً في حصيلة الاعتقالات التي طالت المئات في منطقة بهارستان وحدها. وبتحليل لغة الخطاب الرسمي، نجد أن الدولة تسعى لعزل المحتجين عن قاعدتهم الشعبية عبر وصمهم بالإرهاب والتبعية للخارج، خاصة مع دخول نجل شاه إيران السابق على خط التحريض، مما أعطى الحرس الثوري مبرراً إضافياً للحديث عن حماية "مكتسبات الثورة" كأولوية تسبق أي اعتبار حقوقي أو معيشي في الوقت الراهن.
خسائر المواجهات الميدانية والتدخلات الدولية
| المؤشر الميداني |
الإحصائيات والتقديرات |
| عدد الضحايا (قتلى) |
65 شخصاً منذ اندلاع الموجة |
| إجمالي عدد المعتقلين |
أكثر من 2300 معتقل في مختلف المدن |
| المدن المشتعلة |
طهران، مشهد، تبريز، أصفهان، كرج، يزد، همدان |
| تاريخ الشرارة الأولى |
28 ديسمبر عقب احتجاجات تجار البازار |
ما وراء الخبر يشير إلى أن الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران لم تعد مجرد هبة عابرة، بل هي انعكاس لانسداد الأفق السياسي وتآكل القدرة الشرائية التي بلغت مستويات قياسية؛ فالتجار الذين يمثلون تاريخياً عصب الاستقرار في طهران، كانوا هم من أشعل الفتيل هذه المرة. وفي المقابل، نجد أن التهديدات الأمريكية التي أطلقها دونالد ترمب حول ضربات محتملة لنقاط حساسة، قد منحت المتشددين في طهران ذريعة لرفع شعارات "الموت لأمريكا" وتخوين الداخل، مما يضع المواطن الإيراني البسيط بين مطرقة العقوبات الدولية وسندان القمع الداخلي. إن إصرار رئيس السلطة القضائية على تطبيق عقوبات حاسمة وقصوى دون تساهل يعكس رغبة النظام في إنهاء هذا الملف بأسرع وقت ممكن قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة تماماً وتتحول المدن إلى ساحات حرب شوارع مفتوحة.
- تحريض نجل الشاه للمتظاهرين للاستيلاء على المراكز الحيوية في المدن الكبرى.
- تأكيد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على الدعم المطلق للشعب الإيراني عبر المنصات الرقمية.
- اتهام طهران لواشنطن بمحاولة تكرار سيناريو إسقاط الأنظمة عبر الضغط الاقتصادي الممنهج.
- اعتبار المرشد علي خامنئي أن أي تحرك ميداني هو مؤامرة تقودها أصابع ملطخة بدماء الإيرانيين.
بقاء الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران حية رغم كل هذه الضغوط يطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة السلطة على الاستمرار في نهج "الإنكار والمواجهة" للأزمات الهيكلية؛ فهل تنجح القبضة العسكرية في إخماد النيران هذه المرة، أم أننا أمام تحول دراماتيكي قد يعيد تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط برمته إذا ما استمر الزخم الشعبي في كسر حاجز الخوف؟