وزير الخارجية المصري، الدكتور بدر عبد العاطي، يفتح ملفات شائكة في جدة تعيد رسم ملامح التحالفات في القارة السمراء؛ حيث لم يكن لقاؤه بنظيره السوداني محيي الدين سالم مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر على هامش منظمة التعاون الإسلامي، بل جاء كرسالة سياسية حادة اللهجة في توقيت شديد الحساسية. والمثير للدهشة أن القاهرة والخرطوم قررتا نقل التنسيق بينهما من الغرف المغلقة إلى العلن وبسقف طموحات مرتفع، خاصة مع تصاعد وتيرة الصراع في السودان والتوترات المتزايدة في منطقة القرن الأفريقي؛ مما يجعل هذا التحرك المصري بمثابة حائط صد أمام محاولات تفتيت السيادة الوطنية لدول الجوار التي تواجه تحديات وجودية غير مسبوقة.
تحالف الضرورة في مواجهة الانتهاكات والتقسيم
وبقراءة المشهد الحالي، نجد أن وزير الخارجية المصري وضع النقاط على الحروف فيما يخص الأزمة السودانية، مشدداً على أن دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه ليس مجرد خيار سياسي بل هو ثوابت استراتيجية مصرية لا تقبل المساومة. وهذا يفسر لنا سر التنديد المصري القوي بالانتهاكات الجسيمة التي طالت المدنيين في الفاشر وشمال كردفان؛ حيث تصر القاهرة على ضرورة انتزاع هدنة إنسانية حقيقية تضمن وصول المساعدات بعيداً عن حسابات القوى المتصارعة. والمفارقة هنا تكمن في قدرة الدبلوماسية المصرية على الربط بين استقرار الداخل السوداني وبين حماية الأمن القومي الإقليمي، معتبرة أن أي مساس بمؤسسات الدولة الوطنية السودانية هو تهديد مباشر لمصالح المنطقة بأسرها، وهو ما يتطلب تكاتفاً دولياً يتجاوز مجرد بيانات الإدانة الورقية إلى فعل حقيقي على الأرض يوقف نزيف الدماء.
الأمن المائي والسيادة الصومالية خطوط حمراء
| الملف القضية |
الموقف المصري السوداني المشترك |
| الأمن المائي |
رفض كامل للتحركات الأحادية في حوض النيل الشرقي والتمسك بحقوق دولتي المصب. |
| السيادة الصومالية |
إدانة اعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال" واعتباره إجراءً غير قانوني. |
| الأزمة السودانية |
التمسك بوقف شامل لإطلاق النار وحماية المؤسسات الوطنية ووحدة الأراضي. |
ولم يتوقف وزير الخارجية عند حدود الملف السوداني، بل امتدت المباحثات لتشمل زلزالاً دبلوماسياً أحدثه الموقف الإسرائيلي تجاه الصومال؛ إذ أعلنت مصر رفضها القاطع لاعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال"، واصفة إياه بالخروج الصارخ عن القانون الدولي. إن هذا التطور يعكس وعياً مصرياً بخطورة اللعب بورقة الانفصال في أفريقيا، وهو ما يتقاطع مباشرة مع ملف الأمن المائي الذي شهد تأكيداً جديداً على وحدة مصير دولتي المصب؛ حيث اتفق الطرفان على أن الدفاع عن حقوق النيل هو معركة بقاء تتطلب تنسيقاً لا ينقطع لمواجهة أي إجراءات أحادية تفرض أمراً واقعاً يضر بمصالح الشعبين.
- التمسك بالشرعية الدولية في التعامل مع ملف استقلال الأراضي الصومالية.
- تفعيل آليات التنسيق المشترك لحماية الحصة المائية التاريخية لمصر والسودان.
- الضغط الدولي لفتح ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية في مناطق النزاع السودانية.
- رفض التدخلات الخارجية التي تذكي نار الصراع في منطقة القرن الأفريقي.
إن هذا الحراك الدبلوماسي المكثف الذي يقوده وزير الخارجية يعيد طرح تساؤل جوهري حول قدرة التحالفات الإقليمية الجديدة على كبح جماح الأطماع الدولية في الثروات والمواقع الاستراتيجية العربية والأفريقية؛ فهل تنجح القاهرة والخرطوم في تحويل هذا التوافق إلى درع حقيقي يحمي حوض النيل والقرن الأفريقي من سيناريوهات التفتيت الممنهج التي تلوح في الأفق؟