إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفتح جبهة مواجهة قانونية وسياسية غير مسبوقة ضد مجلس الاحتياطي الفيدرالي؛ في خطوة تتجاوز مجرد الخلاف على أسعار الفائدة إلى محاولة تقويض استقلالية أقوى مؤسسة نقدية في العالم. وبقراءة المشهد، نجد أن التلويح بتوجيه اتهامات جنائية لرئيس المجلس جيروم باول يمثل ذروة الصدام بين البيت الأبيض والمصرف المركزي، حيث استندت الإدارة إلى ثغرة إدارية تتعلق بمشروع ترميم مبنى حكومي كذريعة للضغط على باول، وهو ما وصفه الأخير بأنه محاولة صريحة للي ذراع السياسة النقدية وإجبار المجلس على خفض تكاليف الاقتراض بما يخدم الأجندة السياسية للرئيس في ولايته الثانية.
ما وراء الضغط على الاحتياطي الفيدرالي
والمثير للدهشة أن هذا التصعيد يأتي في توقيت شديد الحساسية، حيث يسعى ترامب لإعادة تشكيل موازين القوى داخل واشنطن بالتزامن مع طموحاته الجيوسياسية التي تمتد من القطب الشمالي إلى طهران. فبينما يلوح ترامب بخيارات عسكرية ضد إيران ويبحث مع إيلون ماسك سبل اختراق جدار الإنترنت الإيراني، يبدو أن ترتيب البيت الداخلي والسيطرة على "ماكينة الأموال" الأمريكية هي الأولوية القصوى لضمان تمويل هذه التحركات الضخمة. وهذا يفسر لنا لماذا تحولت قضية ترميم مبنى بقيمة 2.5 مليار دولار إلى "قضية رأي عام" ومذكرة استدعاء من وزارة العدل؛ فالمسألة ليست في جدران المبنى بل في هوية من يسيطر على قرار الفائدة الذي يحدد مصير التضخم والقدرة الشرائية للأمريكيين.
تداعيات الصدام على الأسواق والسياسة
المفارقة هنا تكمن في رد الفعل العنيف من داخل المعسكر الجمهوري نفسه، حيث أعلن السيناتور توم تيليس صراحة معارضته لأي مرشحين جدد يطرحهم ترامب للمجلس طالما بقيت التهديدات القانونية قائمة، معتبراً أن نزاهة وزارة العدل باتت على المحك. هذا الانقسام التشريعي يضع إدارة الرئيس في مأزق، خاصة وأن الأسواق المالية بدأت تظهر بوادر القلق؛ حيث انخفضت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية وتراجع الدولار فور تسرب أنباء مذكرات الاستدعاء. وبقراءة المشهد الاقتصادي، نجد أن المستثمرين يخشون من فقدان الفيدرالي لحياده، مما قد يؤدي إلى قرارات نقدية "مسيسة" تلهب التضخم بدلاً من كبحه، وهو ما يتناقض مع وعود ترامب الانتخابية.
- تراجع العقود الآجلة للأسهم الأمريكية بنسبة 0.5% نتيجة حالة عدم اليقين القانوني.
- رفض برلماني من أعضاء لجنة الخدمات المصرفية لتمرير أي تعيينات جديدة في المجلس.
- تصاعد التوتر مع إيران تزامناً مع حادثة اقتحام شاحنة لمظاهرة في لوس أنجلوس.
- إثارة قلق حلف الناتو وأوروبا بسبب تصريحات ترامب حول الاستحواذ على جرينلاند.
- ترقب لقرار المحكمة العليا بشأن محاولة إقالة الحاكمة ليزا كوك من منصبها.
خارطة الصراع بين البيت الأبيض والفيدرالي
| العنصر |
موقف إدارة ترامب |
موقف الاحتياطي الفيدرالي |
| أسعار الفائدة |
الضغط لخفضها بشكل حاد وسريع |
التمسك بالاستقلالية والبيانات الاقتصادية |
| القيادة |
الرغبة في استبدال باول قبل نهاية ولايته |
باول يؤكد بقاءه حتى مايو 2026 |
| الأدوات |
استخدام وزارة العدل ومذكرات الاستدعاء |
الاعتماد على الحماية القانونية للكونجرس |
إن محاولات السيطرة على القطب الشمالي عبر جرينلاند أو مواجهة التهديدات الإيرانية المتصاعدة، لا تنفصل عن الرغبة في إخضاع مجلس الاحتياطي الفيدرالي؛ فالاقتصاد القوي هو الوقود اللازم لكل هذه المعارك الخارجية. ومع نجاة وزير الدفاع البريطاني من قصف روسي في كييف وتزايد حدة التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، يبدو أن ترامب يريد تحويل الفيدرالي إلى ذراع تنفيذية تضمن له مرونة مالية مطلقة. فهل ينجح باول في الصمود أمام هذه العاصفة القانونية حتى نهاية ولايته، أم أن "الذرائع" الإدارية ستكون هي الثغرة التي تسقط حصن الاستقلالية النقدية الأخير في الولايات المتحدة؟