إنتاج مصر من حديد التسليح يمر بمنعطف حرج يعكس تذبذبات السوق العالمي والمحلي في آن واحد؛ حيث تشير الأرقام الأخيرة إلى تراجع ملموس في حجم الكميات المنتجة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 مقارنة بالعام الماضي. والمثير للدهشة أن هذا الانخفاض الذي قدر بنحو 463 ألف طن يأتي في وقت يحاول فيه قطاع التشييد والبناء التكيف مع متغيرات اقتصادية معقدة؛ فبينما كان الإنتاج يلامس 5.076 مليون طن في 2024، هبط اليوم إلى مستوى 4.613 مليون طن، وهو ما يضعنا أمام تساؤلات حتمية حول قدرة المصانع على الحفاظ على مستويات تشغيل مستقرة في ظل ضغوط التكاليف المتصاعدة.
تراجع الإنتاج بين مطرقة التضخم وسندان الطلب
وبقراءة المشهد الصناعي بعمق، يتضح أن إنتاج مصر من حديد التسليح يواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في هبوط المبيعات المحلية التي سجلت 3.583 مليون طن مقابل 3.775 مليون طن في الفترة ذاتها من العام الماضي؛ وهذا يفسر لنا حالة الحذر التي تسيطر على المنتجين الذين يفضلون تقليص المعروض لتفادي تكدس المخزون. والمفارقة هنا تكمن في أن مستويات المبيعات الحالية، رغم تراجعها السنوي، لا تزال تتفوق بوضوح على أداء عام 2023 الذي لم تتجاوز مبيعاته 3.234 مليون طن؛ مما يعني أن السوق لا يزال يمتلك طاقة امتصاصية قوية رغم الأزمات، وأن الطلب الكامن في قطاع العقارات والمشروعات القومية يمثل صمام الأمان الوحيد حتى الآن.
خريطة القوى الإنتاجية والطاقات غير المستغلة
إن الفجوة بين الطاقة القصوى والإنتاج الفعلي تكشف عن هدر صناعي يحتاج إلى وقفة تحليلية جادة؛ فمصر تمتلك قدرات إنتاجية هائلة تصل إلى 15.76 مليون طن، لكن الواقع يشير إلى أن ملايين الأطنان لا تزال حبيسة "الطاقة غير المستغلة" لأسباب تقنية وتمويلية.
| نوع المصنع |
الطاقة الإنتاجية القصوى (مليون طن) |
الطاقة غير المستغلة (مليون طن) |
| المصانع المتكاملة |
8.8 |
3.0 |
| المصانع نصف المتكاملة |
2.72 |
2.72 |
| مصانع الدرفلة |
4.22 |
4.22 |
ما وراء هبوط أسعار الحديد في الأسواق
شهد شهر يوليو 2025 تحولاً درامياً في التكلفة النهائية للمستهلك، حيث انخفض متوسط سعر الطن إلى 32.1 ألف جنيه بعد أن كان قد قفز إلى حاجز 40.3 ألف جنيه في يوليو من العام الماضي؛ وهذا الهبوط لم يكن وليد الصدفة بل جاء مدفوعاً باستقرار نسبي في سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية وتراجع أسعار المواد الخام في البورصات العالمية. وتكمن أهمية هذا التراجع في قدرته على تحفيز حركة البناء الفردي والمشروعات الصغيرة التي توقفت طويلاً بسبب غلاء الأسعار؛ غير أن استدامة هذا الانخفاض تظل مرهونة بقدرة المصانع على تقليص الفجوة الإنتاجية وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار تنافسية تسمح بعودة إنتاج مصر من حديد التسليح إلى معدلاته الطبيعية.
- تراجع الإنتاج بنسبة تصل إلى 9% مقارنة بالعام الماضي.
- انخفاض أسعار البيع للمستهلك بنحو 8 آلاف جنيه للطن الواحد.
- وجود طاقة غير مستغلة تتجاوز 7 ملايين طن في مختلف أنواع المصانع.
- استمرار تفوق أداء عام 2025 على مستويات عام 2023 رغم التباطؤ الحالي.
تظل تساؤلات المستثمرين معلقة حول مدى قدرة السوق على امتصاص صدمات التكاليف القادمة في ظل تذبذب سلاسل الإمداد العالمية؛ فهل تنجح السياسات النقدية والصناعية في إعادة الروح لخطوط الإنتاج المتوقفة، أم أن قطاع الحديد سيظل رهيناً لتقلبات أسعار الخامات التي لا ترحم ميزانيات الشركات الكبرى؟