تحقيق تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة يمثل حجر الزاوية في استراتيجية الدولة المصرية لعام 2026، حيث لم يعد الأمر مجرد خطط ورقية بل تحول إلى عقيدة تنفيذية تهدف لانتشال المؤشرات الكلية من دائرة التقلبات العالمية؛ والمثير للدهشة أن هذا التحول يتكئ على أربعة أركان صلبة تبدأ ببرنامج عمل الحكومة وتمر بالإصلاحات الهيكلية وتنتهي بوثيقة سياسة ملكية الدولة التي ترسم حدوداً جديدة للعلاقة بين القطاعين العام والخاص، وبقراءة المشهد نجد أن الدولة قررت التخلي عن دور "المنافس" لتلعب دور "المنظم" والممكن، وهو ما يفسر لنا الإصرار على تعبئة الموارد المالية عبر استراتيجية تمويل وطنية مبتكرة تضمن استدامة المشروعات القومية دون الضغط على الموازنة العامة؛ والمفارقة هنا تكمن في أن هذا المسار يأتي في توقيت يتسم باضطرابات جيوسياسية حادة، مما يجعل الرهان على مرونة الاقتصاد المصري اختباراً حقيقياً لقدرته على امتصاص الصدمات الخارجية وتحويلها إلى فرص نمو إنتاجية وتصديرية.
خارطة الطريق نحو اقتصاد تنافسي مرن
إن سعي الحكومة الحثيث نحو تحقيق تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة يتجاوز فكرة النمو الرقمي المجرد، إذ تستهدف الرؤية الحالية بناء اقتصاد قادر على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوسيع قاعدة الإنتاج الصناعي لتقليل الاعتماد على الاستيراد؛ وهذا التوجه يظهر بوضوح في مستهدفات العام المالي 2026/2027 التي تراهن على تعافي الأنشطة التصديرية لتصبح المحرك الأساسي للنمو، ومن خلال تحليل أرقام الموازنة والتقارير الرسمية، يمكن رصد المستهدفات الرقمية التي تسعى الدولة لتحقيقها في المدى المتوسط لضمان استقرار المؤشرات الكلية:
| المؤشر الاقتصادي |
المستهدف في 2025/2026 |
المستهدف في 2026/2027 |
المدى المتوسط (2030) |
| معدل نمو الناتج المحلي |
5% |
5.3% |
نمو مستدام تصاعدي |
| نمو الأنشطة التصديرية |
نمو تدريجي |
توسع هيكلي |
6.2% |
| معدل التضخم المتوقع |
انخفاض تدريجي |
11.5% |
7.5% |
| سعر الفائدة على السندات |
مستويات مرتفعة |
17% |
12% |
محركات النمو القطاعية وما وراء الخبر
ما وراء الخبر في هذه الاستراتيجية هو التركيز المكثف على قطاعات بعينها تمتلك قدرة عالية على توليد القيمة المضافة وتوفير النقد الأجنبي، حيث يتصدر قطاع الصناعات التحويلية غير النفطية المشهد بعد أن حقق قفزة نوعية بمعدل نمو 13.4%، وهذا يفسر لنا لماذا تضخ الحكومة حوافز تشريعية ومالية لتبسيط الإجراءات الجمركية والضريبية؛ فالدولة تدرك أن استقرار سعر الصرف المرن لن يكون مجدياً دون قاعدة إنتاجية صلبة تسنده، وفي الوقت نفسه يبرز قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات كفرس رهان رابح بنمو بلغ 14% نتيجة التوسع في صناعة التعهيد، بينما تظل السياحة صمام أمان بفضل افتتاح المشروعات الكبرى مثل المتحف المصري الكبير وتطوير الساحل الشمالي، ويمكن تلخيص الركائز الأساسية لهذا التحول الهيكلي في النقاط التالية:
- التحول من الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد الإنتاجي القائم على التصدير.
- تمكين القطاع الخاص من قيادة النشاط الاقتصادي عبر التخارج التدريجي للدولة.
- تعميق التصنيع المحلي لتقليل الفجوة التمويلية وخلق فرص عمل مستدامة.
- الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية لدعم التحول الرقمي وصناعة التعهيد.
- تحقيق الانضباط المالي لخفض الدين العام وتعزيز الثقة في الاقتصاد القومي.
إن الوصول إلى معدل نمو يتجاوز 5.3% في ظل التحديات الحالية يتطلب نفساً طويلاً وتنسيقاً فائقاً بين السياسات المالية والنقدية، فالحكومة تراهن اليوم على أن خفض التضخم إلى 7.5% سيعيد القدرة الشرائية للسوق المحلي ويحفز الاستثمار الخاص؛ ولكن يبقى التساؤل الجوهري حول مدى قدرة هذه الإصلاحات الهيكلية على الصمود أمام أي تقلبات سعرية عالمية جديدة، وهل سينجح القطاع الخاص في ملء الفراغ الذي ستتركه الدولة بعد تنفيذ وثيقة ملكية الدولة بالكامل؟