سيناريو فنزويلا في إيران يمثل المحاولة الأمريكية الأحدث التي تحطمت صخورها أمام صلابة الواقع الجيوسياسي المعقد في طهران؛ فالمسألة لم تكن مجرد ضغوط اقتصادية عابرة بل استراتيجية شاملة تهدف إلى تقويض أركان الدولة من الداخل عبر استنساخ نماذج الاضطراب اللاتينية. والمثير للدهشة أن الرهان على "حرب الـ12 يوماً" التي قادتها واشنطن وتل أبيب كان يستند إلى فرضية السقوط السريع، وهذا يفسر لنا حالة الهدوء التي يتحدث بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اليوم وهو يحلل فشل تلك الحسابات التي تجاوزت حدود المنطق السياسي إلى فضاء الأوهام التقنية.
فشل استراتيجية الاحتواء والضغوط القصوى
وبقراءة المشهد الراهن نجد أن الإدارة الإيرانية تدرك جيداً حجم الثغرات الاقتصادية التي خلفتها العقوبات، لكنها في الوقت ذاته نجحت في عزل المسار السياسي عن الانهيار المعيشي الكامل الذي كانت واشنطن تأمله. والمفارقة هنا تكمن في أن التحريض الخارجي، الذي شمل دعوات من نجل الشاه والضغوط المنسقة من كندا وأستراليا والاتحاد الأوروبي، لم يجد صدىً حقيقياً على الأرض يوازي حجم الضخ الإعلامي الدولي. إن استقرار الداخل الإيراني في هذه اللحظة الحرجة يعكس قدرة النظام على امتصاص الصدمات الأمنية، بينما تظل اتهامات الخارجية الأمريكية بدعم الاحتجاجات مجرد "أوهام" في نظر صانع القرار الإيراني الذي يرى في حماية إنجازات الثورة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف من الظروف.
ما وراء الخبر: لماذا أخفقت الحسابات الغربية؟
إن تحليل أسباب فشل سيناريو فنزويلا في إيران يتطلب النظر إلى موازين القوى العسكرية والاجتماعية التي تختلف جذرياً عن سياق أمريكا اللاتينية؛ حيث يمتلك الحرس الثوري هيكلية تغلغل عميقة تمنع حدوث انشقاقات كبرى، كما أن الذاكرة الجمعية الإيرانية تتوجس من التدخلات الأجنبية المباشرة. وتوضح البيانات التالية حجم التباين بين التوقعات الغربية والواقع الفعلي الذي أفرزته الأزمة الأخيرة:
| محور الرهان الغربي |
النتيجة الفعلية على الأرض |
الأداة المستخدمة |
| الانهيار السريع للدولة |
استقرار المؤسسات السيادية |
العقوبات الاقتصادية الشاملة |
| تفكك الجبهة الداخلية |
تماسك القوات الأمنية |
التحريض الإعلامي والدولي |
| استسلام طهران للتفاوض |
التمسك باتفاق عادل ومشرف |
التهديد العسكري المباشر |
أبعاد التحرك الإيراني في مواجهة التهديدات
وعلى الصعيد الإقليمي، يبدو أن خطاب "إسرائيل الكبرى" الذي يروج له بنيامين نتنياهو قد أتى بنتائج عكسية؛ إذ حفز جبهات المقاومة في لبنان وإيران على مزيد من التنسيق العسكري والسياسي لصد أي مغامرة غير محسوبة. ويمكن تلخيص أبرز نقاط القوة التي اعتمدت عليها طهران في مواجهة هذا المخطط فيما يلي:
- تحويل نقاط الضعف الاقتصادية إلى فرص لتعزيز الإنتاج المحلي والاعتماد على الذات.
- تفعيل الدبلوماسية النشطة في الأمم المتحدة لفضح السلوك الأمريكي غير القانوني.
- الحفاظ على وحدة القرار السياسي بين الحكومة والمؤسسات العسكرية والأمنية.
- الاستعداد الدائم للحوار القائم على الاحترام المتبادل دون الرضوخ للابتزاز.
إن التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه الآن ليس حول مدى نجاح إيران في تجاوز هذه الأزمة فحسب، بل حول ما إذا كانت واشنطن ستمتلك الشجاعة الكافية لتغيير أدواتها القديمة في التعامل مع الشرق الأوسط؛ فهل ننتظر ولادة تفاهمات جديدة تحت رماد هذه المواجهة، أم أن المنطقة مقبلة على فصول أكثر تعقيداً من صراع الإرادات؟