تعد مجلة الحكمة الإسلامية في عددها الصادر مؤخراً بجناح الأزهر الشريف بمعرض الكتاب، وثيقة فكرية تقطع الطريق على محاولات تسطيح الوعي الديني المعاصر؛ إذ يقدم مركز الإمام الأشعري عبر تسعة أبحاث محكمة استراتيجية دفاعية وهجومية في آن واحد، تستهدف تفكيك القراءات الظاهرية وإعادة الاعتبار للعقل والبرهان في بنية التشريع الإسلامي. والمثير للدهشة في هذا الإصدار هو قدرته على صهر الفلسفة والفقـه والتاريخ العقدي في بوتقة واحدة، مما يعزز من معايير المحتوى النافع الذي يفتقر إليه القارئ العربي وسط ضجيج الفتاوى السريعة والمنقوصة. وهذا يفسر لنا لماذا يراهن الأزهر على هذا النوع من الإنتاج العلمي الرصين، فالمسألة لم تعد مجرد ترف فكري، بل هي ضرورة حضارية لضبط التوازن بين الثابت العقدي والمتغير الواقعي في زمن السيولة القيمية. وبقراءة المشهد، نجد أن كل بحث داخل مجلة الحكمة الإسلامية يمثل حلقة في سلسلة متصلة تهدف لحماية الهوية الإسلامية من الانحرافات المعرفية التي تروج لها بعض التيارات الحديثة، سواء كانت تغريبية تحاول تفريغ النص من محتواه، أو تجسيمية تحبسه في حرفية ضيقة.
أبحاث مجلة الحكمة الإسلامية وإعادة صياغة الوعي
تتوزع الأبحاث داخل العدد لتغطي مساحات شاسعة من الفكر الإنساني، حيث يبدأ الدكتور حسن الشافعي برسم خارطة طريق لليقين عند الغزالي، مؤكداً أن العقل والذوق والوحي روافد متكاملة وليست متصادمة. والمفارقة هنا تكمن في قدرة المنهج الأشعري على استيعاب القراءات القرآنية المتواترة وربطها بصفات الكلام الإلهي، وهو ما فصله الدكتور محمد يسري جعفر ليثبت أن التعدد في التلاوة لا يمس وحدة النص الأزلي. كما تبرز المجلة دور علم الكلام كأصل حاكم للعلوم، بعيداً عن كونه مجرد جدل منطقي، بل هو أداة التفسير التي استخدمها كبار الأئمة لصيانة التنزيه الإلهي من شوائب التشبيه.
| الباحث |
موضوع البحث الأساسي |
أبرز النتائج المحققة |
| د. نظير عياد |
الثوابت والمتغيرات في التشريع |
حماية الهوية وضمان الفاعلية الحضارية |
| د. عبد الرحمن المراكبي |
السلف والسلفية بين المنهج والعقيدة |
التفويض المنضبط مقابل الظاهرية والتجسيم |
| د. عبد الفتاح العواري |
منزلة علم الكلام بين العلوم |
اعتبار الكلام أصلاً حاكماً لفهم الوحي |
| د. كمال جاد الله |
القدر والكسب عند الأشاعرة |
إثبات المسؤولية الأخلاقية ونفي الجبرية |
تفكيك المغالطات التاريخية والمعرفية في مجلة الحكمة الإسلامية
لم تكتف مجلة الحكمة الإسلامية بالتنظير، بل غاصت في قضايا إشكالية تهم الباحث المعاصر، مثل قضية نعيم الجنة وتصوراته البشرية التي حللتها الدكتورة سونيا الهلباوي، كاشفة عن سعة النص الديني في مخاطبة الروح والجسد معاً. والمثير للدهشة هو البحث الذي قدمه الدكتور قدري الديب لإثبات أشعرية الإمام أبي بكر الإسماعيلي، رداً على ادعاءات السلفية المعاصرة، مستخدماً التحليل النصي الدقيق لإثبات التزامه بأصول التنزيه.
- تحليل منهج الإمام الغزالي في توحيد مصادر المعرفة الإنسانية.
- التمييز المنهجي الدقيق بين مفهوم السلف التاريخي والسلفية الحركية.
- توضيح أهمية الكلام المقارن في بناء حوار ديني عالمي موضوعي.
- رد الشبهات الغربية حول نظرية الكسب وعلاقتها بالخمول البشري.
إن هذا الحراك المعرفي الذي تقوده مجلة الحكمة الإسلامية داخل أروقة معرض الكتاب، يضعنا أمام تساؤل جوهري حول قدرة المؤسسات التقليدية على استعادة زمام المبادرة في الفضاء الرقمي والثقافي. فهل تنجح هذه الرؤية في خلق جيل جديد من الباحثين يجمع بين أصالة النص ومرونة العصر، أم ستظل هذه الأطروحات حبيسة النخب الأكاديمية بعيداً عن الجماهير المتعطشة لليقين؟