وهم الأم المثالية يمثل اليوم الفخ النفسي الأكثر تعقيداً في حياة النساء المعاصرات؛ إذ لم تعد التربية مجرد غريزة بشرية بل تحولت إلى استعراض رقمي يطالب المرأة بالكمال المطلق في كل تفاصيل يومها. والمثير للدهشة أن هذا السعي المحموم نحو صورة "السوبر ماما" لا ينتج أطفالاً أفضل، بل يؤدي بالضرورة إلى استنزاف عصبي ونفسي يحول تجربة الأمومة من رحلة حب إلى عبء ثقيل لا يطاق. وبقراءة المشهد الحالي، نجد أن منصات التواصل الاجتماعي قد خلقت معايير وهمية تتصادم مع الواقع البيولوجي والنفسي للبشر، مما يضع الأم في صراع دائم بين ما هي عليه وبين ما يجب أن تكون عليه وفقاً لشاشات الهواتف الذكية.
تفكيك أسطورة الكمال في التربية الحديثة
يرى الدكتور محمد هاني، استشاري الصحة النفسية، أن وهم الأم المثالية يتغذى على المقارنات الاجتماعية القاتلة التي تجعل المرأة تشعر بالتقصير الدائم مهما بذلت من جهد. وهذا يفسر لنا لماذا تستيقظ الأمهات اليوم وهن يشعرن بمطالبة خفية بأن يكنّ صبورات طوال الوقت، ومبتسمات رغم الإرهاق، وقادرات على إدارة المنزل والعمل وتربية أطفال مثاليين دون شكوى. والمفارقة هنا تكمن في أن السعي نحو هذا الكمال المصطنع يسلب الأم قدرتها على الاستمتاع بلحظات النمو الحقيقية مع أطفالها؛ حيث يتحول التركيز من بناء العلاقة الإنسانية إلى مراقبة الأداء وتصحيح الصور النمطية أمام المجتمع.
ما وراء الخبر وتحليل دوافع الاحتراق النفسي
إن خطورة هذا التوجه تكمن في كونه يؤسس لجيل من الأمهات اللواتي يعشن في حالة "احتراق نفسي" مزمنة، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة التربية وصحة الأطفال النفسية. فبدلاً من أن تكون الأم ملاذاً آمناً، تصبح مصدراً للتوتر نتيجة جلد الذات المستمر الذي تمارسه ضد نفسها عند حدوث أي خطأ بسيط. والمثير للدهشة أن الدراسات النفسية تؤكد أن الأمهات اللواتي يتقبلن إنسانيتهن ونقاط ضعفهن هن الأكثر قدرة على تنشئة أطفال متزنين نفسياً؛ لأن الطفل يحتاج إلى رؤية نموذج بشري حقيقي يتعثر ثم ينهض، لا إلى آلة مبرمجة لا تخطئ أبداً.
مؤشرات السقوط في فخ المثالية الزائفة
| المعيار النفسي |
الأم الواقعية |
الأم الملاحقة للوهم |
| التعامل مع الأخطاء |
تتعلم وتسامح نفسها |
تغرق في جلد الذات والذنب |
| النظرة للمنزل |
مكان مريح للعيش |
لوحة عرض يجب أن تظل مبهرة |
| طلب المساعدة |
تطلب الدعم بوضوح |
تعتبره ضعفاً أو فشلاً |
| الحالة النفسية |
متزنة ومتقبلة للواقع |
قلق وتوتر واحتراق مزمن |
خطوات التحرر من قيود الصورة الذهنية
- التوقف الفوري عن مقارنة تفاصيل حياتك اليومية بالصور المختارة بعناية على منصات التواصل الاجتماعي.
- تقبل فكرة أن الخطأ جزء أصيل من العملية التربوية وليس دليلاً على فشل الأمومة.
- وضع أولويات واقعية تتناسب مع الطاقة البشرية المحدودة بعيداً عن ضغوط المجتمع.
- الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية كضرورة قصوى لضمان استمرارية العطاء المتزن.
- طلب الدعم والمساعدة من المحيطين دون الشعور بالخجل أو الذنب تجاه النفس.
بناءً على هذا التحليل، يظل التساؤل قائماً حول قدرة المجتمع على تغيير نظرته القاسية تجاه الأمومة وتخفيف حدة الأحكام المسبقة. هل سنصل إلى مرحلة نحتفي فيها بالأم "الجيدة بما يكفي" بدلاً من البحث عن تلك المثالية التي لا وجود لها إلا في الخيال؟ الإجابة تكمن في شجاعة كل أم على إعلان إنسانيتها ورفض الانصياع لمعايير تقتل روح الأمومة الحقيقية.