اقتصاد مصر الجديد يرتكز اليوم على استراتيجية واضحة المعالم تضع التصدير السلعي والخدمي في قلب قاطرة النمو المستدام؛ والمفارقة هنا تكمن في تحول الرؤية الرسمية من مجرد الجباية إلى الشراكة الكاملة مع المنتج. وبقراءة المشهد الحالي في مكتبة الإسكندرية، نجد أن الدولة قررت المراهنة على القطاع الخاص ليكون المحرك الأساسي لتنافسية الاقتصاد، حيث يرى وزير المالية أحمد كجوك أن زيادة الإنفاق على تحسين أوضاع المواطنين ترتبط طردياً بالقدرة على التصنيع والنفاذ إلى الأسواق العالمية.
تحولات جوهرية في هيكل الدين العام
المثير للدهشة في الأرقام المعلنة هو الانخفاض الملحوظ في نسبة دين أجهزة الموازنة للناتج المحلي، والتي تراجعت من 96% إلى 84% خلال عامين فقط، في وقت شهدت فيه الأسواق الناشئة ارتفاعاً في مديونياتها بنسبة تتجاوز 6%. وهذا يفسر لنا السياسة النقدية والمالية الصارمة التي اتبعتها الحكومة، حيث نجحت في خفض الدين الخارجي بنحو 4 مليارات دولار، مما يعكس قدرة الدولة على سداد التزاماتها بمعدلات تفوق الاقتراض الجديد. ويأتي هذا الانضباط المالي كرسالة طمأنة للمستثمرين الأجانب والمحليين بأن الاقتصاد يسير وفق خطة تعافٍ حقيقية، لا سيما مع رفع القطاع الخاص لاستثماراته بنسبة 73% خلال العام المالي المنصرم، مما يعزز الثقة في استدامة هذا المسار الإصلاحي.
تسهيلات ضريبية وحوافز لقطاع الصحة
تتضمن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية قرارات استباقية تهدف إلى خفض تكاليف الاستثمار في قطاعات حيوية، وعلى رأسها القطاع الطبي الذي سيشهد خفضاً في ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة الطبية لتصبح 5% بدلاً من 14%. والمفارقة هنا أن النظام الضريبي الجديد يستهدف بشكل مباشر صغار الممولين، الذين لا تتجاوز أعمالهم 20 مليون جنيه سنوياً، عبر تقديم حوافز غير مسبوقة تضمن لهم البقاء والنمو في بيئة تنافسية.
| البند المالي أو الضريبي |
القيمة أو النسبة الجديدة |
الهدف من الإجراء |
| ضريبة القيمة المضافة للأجهزة الطبية |
5% |
تشجيع الاستثمار في الرعاية الصحية |
| ضريبة التصرفات العقارية للأفراد |
2.5% |
استقرار السوق العقاري وتبسيط الإجراءات |
| نمو الإيرادات الضريبية المحققة |
35% |
زيادة الموارد دون أعباء إضافية |
| انخفاض الدين العام للناتج المحلي |
84% |
تحقيق الاستقرار المالي الكلي |
ما وراء الخبر ودلالات الإصلاح الهيكلي
إن التركيز على التصدير السلعي والخدمي ليس مجرد شعار سياسي، بل هو ضرورة حتمية لضمان تدفق العملة الصعبة وتقليل الفجوة التمويلية التي عانى منها الاقتصاد طويلاً. وهذا يفسر لنا لماذا تصر وزارة المالية على بناء شراكة حقيقية مع مجتمع الأعمال، وتخصيص 25% من الضريبة للمحافظات لتعزيز التنمية المحلية اللامركزية. والمثير للدهشة أن الدولة بدأت في استخدام التكنولوجيا بشكل مكثف عبر إطلاق تطبيقات ذكية للتصرفات العقارية، مما يقلص البيروقراطية ويقضي على فرص الفساد الإداري.
- تطوير نظام ضريبي مبسط وشامل يستهدف مساندة صغار الممولين والشركات الناشئة.
- توجيه الموازنة العامة نحو دعم أنشطة الصناعة الوطنية والتنمية البشرية بشكل مكثف.
- الالتزام الكامل بعدم الحجز على أموال المعاشات وضمان حقوق الفئات الأكثر احتياجاً.
- استكمال مسار الإصلاح العقاري عبر تسهيلات خاصة بالضريبة العقارية لتبسيط المنظومة.
إن ملامح المرحلة المقبلة تشير إلى أن الاقتصاد المصري يتجه نحو مرحلة "النمو النوعي" الذي يلمسه المواطن في جودة الخدمات وليس فقط في أرقام الموازنة الصماء؛ فهل ستنجح هذه الحوافز الضريبية في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصدير في ظل التقلبات الجيوسياسية الراهنة؟ الإجابة تكمن في قدرة القطاع الخاص على اقتناص هذه الفرص وتحويلها إلى واقع إنتاجي ملموس.