قانون الإيجار القديم يمثل اليوم الاختبار الأصعب لتماسك الجبهة الاجتماعية في مصر؛ إذ لم يعد مجرد صراع تقني بين مالك ومستأجر بل تحول إلى قضية أمن قومي تلمس جدران كل بيت مصري. وبقراءة المشهد البرلماني الحالي نجد أن الدولة تتحرك فوق حبل مشدود للوصول إلى صيغة توافقية تنهي عقوداً من الجمود التشريعي، والمثير للدهشة أن المقترحات الأخيرة لا تستهدف فقط تحريك المياه الراكدة بل تضع محددات زمنية قاطعة لإنهاء هذه العلاقة المتوترة، وهذا يفسر لنا حالة الاستنفار داخل أروقة مجلس النواب لضمان عدم تشريد الأسر مع حفظ حقوق الملاك المهدرة منذ زمن طويل.
فلسفة التعديلات المقترحة وضوابط الإخلاء
إن جوهر التعديلات التي تتبناها النائبة سناء السعيد يرتكز على مبدأ التدرج لا الصدمة؛ فالمسودة المقترحة ترفض فكرة الإخلاء الجماعي الفوري وتستبدلها بجدول زمني يسمح للمستأجر بترتيب أوضاعه المعيشية. وبتحليل نصوص المواد المسربة نجد أن المشرع وضع معايير صارمة لاستعادة الوحدات المغلقة أو تلك التي يمتلك أصحابها بدائل سكنية، والمفارقة هنا تكمن في محاولة القانون سد الثغرات التي تسمح للبعض بالاحتفاظ بشقق "مغلقة" بينما يعاني الملاك من ضعف العائد المادي. وتتضمن المسودة الحالية تفاصيل دقيقة حول مدد الإيجار والتعويضات وحالات الطرد القانوني التي يمكن تلخيصها في الجدول التالي:
| الحالة التشريعية |
المدة الزمنية المقترحة |
الإجراء القانوني المتوقع |
| الوحدات السكنية |
7 سنوات كفترة انتقالية |
زيادة تدريجية في القيمة الإيجارية |
| الأغراض غير السكنية |
5 سنوات لإنهاء التعاقد |
إخلاء إجباري بنهاية المدة |
| الوحدات المغلقة |
عام واحد من الإغلاق |
فسخ العقد فوراً عبر قاضي الأمور الوقتية |
ما وراء الخبر: لماذا الآن؟
هذا التحرك التشريعي ليس مجرد استجابة لمطالب فئوية، بل هو جزء من رؤية أشمل لإعادة هيكلة السوق العقاري المصري ودمج الثروة العقارية المعطلة في الدورة الاقتصادية. إن قانون الإيجار القديم بصيغته الحالية يمنع تداول آلاف الوحدات التي يمكن أن تساهم في خفض أسعار العقارات إذا ما تم طرحها للإيجار أو البيع الحر؛ ولذلك نجد البرلمان يركز على ملفات موازية مثل قانون الضمان الاجتماعي لتوفير شبكة أمان للمستأجرين الأكثر احتياجاً. وتبرز هنا ثلاثة محاور رئيسية تحكم التحركات البرلمانية القادمة:
- تحقيق التوازن المفقود بين العائد الاقتصادي للمالك والبعد الإنساني للمستأجر.
- استعادة الوحدات غير المستغلة التي تم غلقها لأكثر من عام دون مبرر قانوني.
- تفعيل دور قاضي الأمور الوقتية لسرعة الفصل في منازعات الإخلاء وتجنب البطء القضائي.
- ربط ملف الإيجارات بخطط الدولة لتوفير السكن البديل للفئات محدودة الدخل.
إن ملامح المرحلة القادمة تشير إلى أن قانون الإيجار القديم لن يظل حبيس الأدراج؛ فالمشرع يمتلك الآن أدوات رقابية تتيح له التدخل لإخلاء الوحدات في حالات محددة مثل امتلاك المستأجر لوحدة سكنية بديلة تصلح لذات الغرض. والمفارقة أن القانون يمنح المالك حق اللجوء للقضاء المستعجل لطرد الممتنعين عن الإخلاء، بينما يظل للمستأجر حق الطعن الموضوعي الذي لا يوقف التنفيذ، مما يعكس رغبة الدولة في فرض هيبة القانون وإنهاء حالة "الجمود العقاري" التي استمرت لعقود. فهل ستنجح هذه التعديلات في وأد الصراع التاريخي بين الطرفين، أم أن التطبيق على أرض الواقع سيكشف عن فجوات اجتماعية لم تكن في الحسبان؟ المقال يعكس رؤية تحليلية لمستقبل العلاقة الإيجارية في مصر.