أحياء مدينة حلب السكنية كانت المسرح الأكثر دموية خلال الأيام القليلة الماضية، حيث يواجه المدنيون هناك فاتورة باهظة من الدماء نتيجة التصعيد الأخير الذي قادته قوات سوريا الديمقراطية. والمثير للدهشة أن الأرقام الرسمية الصادرة عن مديرية صحة حلب كشفت عن حصيلة مفجعة بلغت 24 قتيلاً و129 مصاباً بجروح متفاوتة الخطورة، وهو ما يضعنا أمام تساؤلات حقيقية حول جدوى استهداف المناطق المكتظة بالسكان في صراع يفترض أن له قواعد اشتباك واضحة؛ إذ يشير مدير إعلام المديرية منير المحمد إلى أن هؤلاء الضحايا سقطوا منذ يوم الثلاثاء الماضي نتيجة اعتداءات مباشرة طالت منازل الآمنين، مما استدعى استنفاراً طبياً كاملاً في مشافي المدينة لاستيعاب المصابين الذين تدفقوا بكثافة خلال الساعات الماضية.
خارطة الانسحاب من الشيخ مقصود والأشرفية
وبقراءة المشهد الميداني نجد أن التطورات تسارعت بشكل دراماتيكي بعد خروج آخر عناصر تنظيم قسد من معاقلهم التقليدية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، لتبدأ مرحلة جديدة من السيطرة الأمنية للجيش السوري الذي أعلن وقف العمليات العسكرية فور ضمان خروج المسلحين. والمفارقة هنا تكمن في أن هذا الانسحاب لم يكن مجرد تحرك عسكري عابر، بل سبقه عمليات تمشيط دقيقة للألغام والمتفجرات التي خلفتها القوات المنسحبة لضمان عودة آمنة للأهالي المهجرين؛ حيث تم ترحيل المسلحين الذين تحصنوا طويلاً في مشفى ياسين باتجاه مدينة الطبقة بعد تجريدهم من أسلحتهم، في خطوة تهدف إلى نزع فتيل الانفجار داخل الأحياء السكنية في مدينة حلب التي عانت طويلاً من تداخل خطوط السيطرة.
إجراءات تثبيت الاستقرار في أحياء مدينة حلب
وهذا يفسر لنا حالة التفاؤل الحذر التي أبداها محافظ حلب عزام الغريب، مؤكداً أن الأوضاع الأمنية تتجه نحو استقرار ملموس بفضل الانتشار الميداني المكثف للجهات المختصة. ويمكن تلخيص أبرز خطوات المرحلة الراهنة في النقاط التالية:
- وقف كامل للأعمال القتالية داخل الأحياء المأهولة لضمان سلامة المدنيين.
- تأمين عودة تدريجية للأهالي إلى منازلهم في حيي الشيخ مقصود والأشرفية.
- إزالة العبوات الناسفة ومخلفات الحرب من المرافق العامة والمشافي.
- تعزيز النقاط الأمنية لمنع أي خروقات مستقبلية قد تهدد السلم الأهلي.
- البدء الفوري في تقييم الأضرار الخدمية لإعادة تفعيل النشاط الاقتصادي.
تحليل ما وراء الخبر
ما وراء هذه الأحداث يتجاوز مجرد أرقام الضحايا أو تحركات عسكرية على الخارطة، بل يعكس رغبة واضحة في إنهاء ملف "المناطق الرمادية" داخل أحياء مدينة حلب التي كانت تشكل بؤراً للتوتر الدائم. إن استعادة السيطرة على مشفى ياسين وترحيل المسلحين إلى خارج الحدود الإدارية للمدينة يعني أن الدولة السورية تسعى لفرض نموذج أمني موحد ينهي حالة الانقسام الخدمي والأمني؛ وهذا التوجه يخدم بالدرجة الأولى مصالح السكان الذين سئموا العيش تحت رحمة القذائف العشوائية، كما أن التفاهمات الدولية التي ألمح إليها البعض تشير إلى أن حلب لم تعد تحتمل مزيداً من المغامرات العسكرية غير محسوبة النتائج في ظل الأزمات الإنسانية المتلاحقة.
| فئة المتضررين |
العدد الإجمالي |
الحالة الميدانية |
| القتلى المدنيين |
24 شخصاً |
نتيجة القصف المباشر |
| المصابون والجرحى |
129 شخصاً |
يتلقون العلاج في المشافي |
| المناطق المطهرة |
حيين رئيسيين |
الشيخ مقصود والأشرفية |
إن عودة الحياة الطبيعية إلى أحياء مدينة حلب لا تزال مرهونة بمدى الالتزام بالاتفاقات المبرمة وقدرة المؤسسات الخدمية على تعويض ما فات المدنيين خلال سنوات التوتر. فهل ستكون هذه التطورات هي المسمار الأخير في نعش الاضطرابات الأمنية داخل المدينة، أم أن المشهد قد يشهد تعقيدات جديدة حال تغير موازين القوى في الشمال السوري؟