أنشطة الدكتور مصطفى مدبولي خلال الأسبوع الجاري تكشف عن تحولات جذرية في أولويات الحكومة المصرية مع مطلع عام 2026؛ إذ لم تعد التحركات مجرد جولات تفقدية روتينية بل أصبحت تعكس استراتيجية "الاشتباك المباشر" مع ملفات التنمية البشرية والبنية التحتية في صعيد مصر. وبقراءة المشهد العام لسلسلة الاجتماعات والزيارات الميدانية التي امتدت من الثالث وحتى التاسع من يناير، نجد أن الدولة تسابق الزمن لترجمة الأرقام الكلية إلى عوائد ملموسة يشعر بها المواطن في القرى والمدن البعيدة عن المركز؛ والمفارقة هنا تكمن في قدرة الإدارة على الموازنة بين الملفات الخدمية العاجلة وبين الرؤى الاقتصادية طويلة الأمد التي تستهدف إعادة صياغة السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية.
فلسفة البناء في قلب صعيد مصر
في الأقصر، لم يكن تفقد المنشآت الصحية مجرد زيارة بروتوكولية، بل جاء بمثابة اختبار حقيقي لجودة الخدمات المقدمة ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل بمستشفى الكرنك ومجمع الأقصر الطبي. وهذا يفسر لنا تركيز رئيس الوزراء على مبادرة حياة كريمة التي وصفها بأنها "فلسفة بناء" تنحاز للعدالة الاجتماعية، حيث تشير البيانات إلى طفرة إنشائية غير مسبوقة في المحافظة تعكسها الأرقام التالية:
| المشروع المستهدف |
نسبة الإنجاز المحققة |
| مشروعات الإنشاءات المتكاملة |
100% |
| مشروعات البنية التحتية الأساسية |
95% |
| محطات رفع الصرف الصحي (الرياينة) |
جاهزية كاملة |
ما وراء الخبر في ملف السياحة
المثير للدهشة هو الطموح الذي أبداه رئيس الوزراء خلال اجتماعه لمتابعة تحسين التجربة السياحية، فبعد تحقيق رقم قياسي في 2025 بلغ 19 مليون سائح، يبدو أن سقف التوقعات ارتفع ليصل إلى 30 مليون سائح سنويًا. والمفارقة هنا أن الوصول لهذا الرقم لا يتوقف على الترويج فحسب، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتسهيل الإجراءات في المطارات وزيادة الطاقة الاستيعابية للفنادق؛ وهو ما يفسر الاهتمام بتطوير كورنيش النيل والمسرح الروماني في الأقصر كجزء من تحسين الصورة الذهنية للمقصد المصري أمام العالم الذي بات يبحث عن تجارب سياحية أكثر عمقًا واتصالًا بالثقافة المحلية.
أبعاد السردية الوطنية والتلاحم المجتمعي
بينما كانت الجولات الميدانية تملأ الأجندة التنفيذية، برز البعد الإنساني والفكري في نشاط رئيس الوزراء عبر مسارين متوازيين؛ الأول هو زيارة الكاتدرائية المرقسية لتهنئة البابا تواضروس الثاني بعيد الميلاد، وهي رسالة سياسية واضحة لترسيخ مبادئ المواطنة كركيزة أساسية للاستقرار. أما المسار الثاني فتمثل في مناقشة الإصدار الثاني من السردية الوطنية للتنمية مع وزيرة التخطيط، حيث اعتمدت هذه النسخة على عقول أكثر من 100 خبير اقتصادي لضمان مرونة الاقتصاد المصري أمام التقلبات العالمية المتسارعة؛ وتستهدف هذه الرؤية المحدثة ما يلي:
- تحقيق التكامل الشامل بين رؤية مصر 2030 والاستراتيجيات القطاعية المستحدثة.
- التحول الجذري نحو نموذج اقتصادي يضع التنمية البشرية في مقدمة أولوياته.
- تكثيف الجهود الداعمة لتحسين جودة حياة المواطن المصري بشكل مستدام.
- مواكبة المتغيرات المتسارعة على الصعيدين الإقليمي والدولي بمرونة عالية.
إن ملامح التحرك الحكومي في الأسبوع الأول من يناير 2026 توحي بأن الدولة تجاوزت مرحلة "التشييد" لتدخل بقوة في مرحلة "التشغيل والتمكين"؛ فهل تنجح هذه السردية الاقتصادية الجديدة في خلق توازن حقيقي بين طموحات النمو السياحي الهائل وبين احتياجات المواطن البسيط في قرى أرمنت والطود؟