الإسراء والمعراج هي المعجزة التي لا تزال تثير حيرة العقول وتستنهض الإيمان في آن واحد؛ إذ تمثل هذه الرحلة الكونية الفاصل الزمني والمكاني الأغرب في تاريخ البشرية. وبقراءة المشهد بعمق، نجد أن التساؤل حول طبيعة الرحلة، هل كانت بالروح أم بالجسد، ليس مجرد ترف فكري، بل هو جوهر التصديق بالغيب في لحظات حرجة من عمر الدعوة الإسلامية.
حقيقة الرحلة بين الروح والجسد
والمثير للدهشة أن جمهور العلماء والمحققين استقروا على أن الإسراء والمعراج تم بالروح والجسد معاً في حالة يقظة تامة؛ وهذا يفسر لنا لماذا كانت المعجزة اختباراً قاسياً لثبات المؤمنين وفتنة للمشركين. ولو كانت الرحلة مجرد رؤيا منامية لما أثارت كل هذا الجدل التاريخي؛ فالمنام لا يُكذبه أحد ولا يحتاج إلى براق أو شق صدر. والمفارقة هنا تكمن في اللفظ القرآني "بعبده"، حيث إن العبودية في اللغة والشرع لا تطلق إلا على مجموع الروح والجسد؛ مما يقطع الطريق على أي تأويل يحاول حصر المعجزة في إطار الروحانيات المجردة.
ما وراء الخبر: لماذا الآن؟
إن استحضار تفاصيل الإسراء والمعراج في عصرنا الراهن يعزز من معايير المحتوى النافع؛ كونها تمنح القارئ طمأنينة حيال قدرة الخالق في تجاوز القوانين الفيزيائية. إنها لم تكن مجرد رحلة، بل كانت عملية "جبر خاطر" إلهية للنبي بعد عام الحزن؛ مما يعلمنا أن الضيق يعقبه دائماً اتساع سماوي لا يخضع لحسابات البشر.
توقيت المعجزة في ميزان التاريخ
| وجه الاختلاف |
أبرز الأقوال المتداولة |
| السنة |
قبل الهجرة بسنة (وهو الأرجح) أو ثلاث أو خمس سنوات. |
| الشهر |
شهر رجب، أو ربيع الأول، أو ذي القعدة، أو رمضان. |
| اليوم |
يوم الاثنين (يوافق المولد والبعثة) أو الجمعة أو السبت. |
أسرار اختيار الليل لرحلة السماء
يتساءل الكثيرون عن سر وقوع هذه المعجزة تحت جنح الظلام، والحقيقة أن هناك أبعاداً دقيقة لخصها العلماء في نقاط جوهرية:
- الليل هو وقت الخلوة والمناجاة والاختصاص بين المحب ومحبوبه.
- تحقيق أقصى درجات الاختبار للإيمان بالغيب بعيداً عن ضوء النهار الكاشف.
- إبطال مزاعم الفلاسفة القدامى الذين ربطوا بين الظلمة والشر.
- تطييب خاطر الليل وتكريم توقيته بعد أن جعل الله النهار مبصراً.
- التأكيد على أن العبادة في جوف الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً.
إن بقاء تاريخ ليلة الإسراء والمعراج طي الاختلاف التاريخي يفتح باباً للتأمل؛ فالعبرة ليست في إحياء ليلة بعينها بقدر ما هي في استحضار قيم الصلاة واليقين التي عاد بها النبي من سدرة المنتهى. فهل ندرك اليوم أن معراجنا الحقيقي يبدأ من صلاتنا التي فُرضت في تلك الليلة؟